Posts Tagged ‘حرية التعبير على الإنترنت’

الفصل الخاص بسوريا من التقرير الأخير للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان حول حرية الإنترنت في العالم العربي، التقرير بعنوان شبكة إجتماعية واحدة ذات رسالة متمردة.
أعده لصالح الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان: محمد علي العبد الله

سوريا أونلاين .. و أغلب السوريين ليسوا كذلك

نظرة عامة

في الربع الأول من عام 1963 أصدر المجلس الوطني لقيادة الثورة في سوريا الأمر العسكري رقم 2، الذي نص في مادته الأولى على أن “تعلن حالة الطوارئ في جميع أنحاء الجمهورية العربية السورية ابتداء من 8/3/1963 وحتى إشعار آخر”.

ومنذ هذا التاريخ، وحتى الربع الأخير من 2009، أكثر من 46عاما، لم يصدر ذلك الإشعار الأخر، وباتت حالة الطوارئ والأحكام العرفية في سوريا هي الأقدم والأطول عمرا في العالم، وعلى الرغم من ذلك دأبت الصحافة السورية التابعة للحكومة “وأغلب الصحف السورية كذلك” تحاصر المواطن السوري بعناوين تثني على الديمقراطية والحرية السورية، رغم أن حالة الطوارئ المفروضة تعني استمرا السجون والمحاكمات الجائرة للنشطاء و المعارضين السوريين. وباتت الأشهر القليلة من الانفتاح التي أعقبت تولي الرئيس بشار الأسد الحكم خلفا لوالده الرئيس الراحل حافظ الأسد، ليست أكثر من استثناءا يؤكد القاعدة.

قطاع الاتصالات والانترنت

بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في سوريا في عام 2000 نحو 30 ألف مستخدم. وتضاعف بعد تسعة أعوام فقط بأكثر من مائة ضعف. وخلال تلك الفترة اختلفت شروط الحصول على الخدمة بشكل كبير حيث كان على الراغبين بالاشتراك إحضار صورة عن بطاقة الهوية ونسخة مطبوعة من استمارة طلب الاشتراك إلى مركز خدمة الزبائن، وتوجب عليهم ملء بيانات الاسم واسمي الوالدين والجنسية ورقم الهوية الذي تصدرها الحكومة وتاريخ ومحل الميلاد والمهنة واسم المستخدم وكلمة السر.

أما اليوم فالوضع مختلف تماماً، فيمكن لأي مواطن الاشتراك بخدمة الإنترنت المسبقة الدفع عبر شراء بطاقة مسبقة الدفع من أي مكتبة أو محل اتصالات ليجد عليها تعليمات الاستخدام التي لا تتطلب تسجيل بيانات المستخدم (نظرياً كون بيانات هاتفه الأرضي الذي يتصل منه مسجلة مسبقاً).

ويزيد عدد مستخدمي الإنترنت في سوريا حاليا عن 3.5 مليون مستخدم . ونظرا لأن عدد السكان 21.7 مليون نسمة، تقدر نسبة مستخدمي الإنترنت إلى مجموع السكان بـ 16.7%. ويقارب معدل انتشار خطوط الهاتف الثابت 17% ، حيث يعتمد معظم السوريون على الاتصال الهاتفي (دايل أب) للاتصال بالإنترنت. قد يوحي تقارب نسبة مستخدمي الإنترنت مع نسبة مالكي الهواتف الثابتة أن جميع هؤلاء تقريباً يستخدمون الإنترنت، إلا أن معرفة نسبة انتشار أجهزة الكمبيوتر (8.7% فقط حتى نهاية عام 2007) يؤكد أن نسبة كبيرة من السوريين يستخدمون الإنترنت من مقاهي الإنترنت.

عدد مشتركي الاتصال الواسع النطاق بلغ 11,100 مشترك، وهي نسبة ضئيلة للغاية 0.05% فقط ، حيث خدمة ADSL في سوريا هي الأصعب منالاً والأغلى في الشرق الأوسط . نسبة انتشار الهاتف المحمول ضعيفة هي الأخرى وتقارب 33.24% ، في عام 2009 بدأت شركتا الهاتف المحمول بتقديم خدمة الإنترنت عبر الهاتف (الجيل الثالث أو G3) إلا أن عدد مستخدميه لا يزال محدوداً للغاية.

واقع الخدمة:

تحتكر الجمعية السورية للمعلوماتية (الأولى) والمؤسسة العامة للاتصالات خدمة الإنترنت في سوريا منذ نشأته. وشهد أواخر العام 2005 دخول أول مزود خدمة إنترنت “خاص” لسوق الاتصالات، هو مزود “آية”. ومن ثم دخلت الشركات الخاصة مثل سوا، إلكم، إيزي ون، زاد نت كمزودات خدمة إنترنت خاصة.

تعمل هذه المزودات بحكم مذكرة تفاهم تجريبية تبرمها تلك الشركات مع المؤسسة العامة للاتصالات لتحصل من خلالها على حزمة أي نطاق وبوابات إلكترونية، تستثمرها كمزود خدمة إنترنت خاص. ووصل عدد مزودي هذه الخدمة لـ (تسع) شركات وقد يوحي وصف تلك الشركات بأنها مزودات خدمة “خاصة” بكونها مستقلة، إلا أن الحقيقة تؤكد عدم استقلاليتها. فتلك المزودات تعمل ضمن مفهوم تجارة الخدمات أي أنها تشتري الخدمة من مؤسسة الاتصالات لتضع لها ماركة تجارية ومن ثم تبيعها للمستهلك .

ترتب على السياسة السابقة أمران هامان: الأول أن جميع مزودات خدمة الإنترنت في سوريا (بما فيها الإنترنت عبر الهاتف المحمول) تمر بإتصالها بالشبكة الدولية عبر بوابتين حكوميتين هما بوابة الجمعية السورية للمعلوماتية وبوابة المؤسسة العامة للاتصالات، ولعبت السلطات دوراً أساسياً في مركزة البنى التحتية للإنترنت لتسهل الرقابة عليها. والثاني أن عدد المستخدمين آخذ في التزايد بشكل جنوني فيما لم يطرأ على البنية التحتية الخاصة بالإنترنت إلا تطور طفيف لا يذكر، بالنتيجة فإنه رغم الزيادة الظاهرية بعدد الشركات التي توزع الخدمة إلا أنها جميعها تستخدم البنى التحتية ذاتها. واليوم تخدم البنية التحتية المجهزة لخدمة مئتي ألف مستخدم فقط ما يفوق 17 ضعف طاقتها، الأمر مما يتسبب في تكرار انقطاع الإتصال بالإنترنت “الذي يتطلب عدة محاولات ووقت وصبر أيوب” . كما يتسبب في إختناقات كبيرة في الشبكة، وبطء في التحميل لدرجة أن ذلك بات أمرا مألوفا لدى مستخدمي الإنترنت في سوريا، مما يصعب معه إرسال أي بريد إلكتروني يفوق حجمه (1ميجابايت).

ترتبط سوريا بشبكة الإنترنت الدولية عبر قبرص، عن طريق كابل بحري طوله 239 كلم، بدأ بالعمل منذ 1995. وقدرة ذلك الكابل على التزويد محدودة للغاية، 622 ميغا بت/ الثانية. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2008 وقعت كل من مؤسسة الاتصالات السورية وهيئة الاتصالات القبرصية إتفاقاً يقضي بتطوير الكابل ورفع قدرة الإنترنت (عرض الحزمة)، إضافة إلى البدء بإعداد دراسة جدوى إقتصادية لإنشاء كابل جديد تحت البحر. إلا أن أي من هذه الإتفاقيات لم ينفذ بعد .

طرحت خدمة ADSL في سوريا منذ العام 2003 بأسعار خيالية، ورغم تخفيض الأسعار كثيرا منذ ذلك الوقت حتى اليوم، إلا أن انتشار الخدمة لا يزال محدوداً للغاية. يرجع ذلك إلى سببين: الأول هو عدم توفر البنى التحتية للازمة للخدمة في جميع المناطق. والثاني هو ارتفاع أسعارها الذي يبقى بعيداً عن متناول معظم السوريين حتى بعد تخفيض الأسعار. يكلف الاشتراك الشهري باتصال بسرعة 1 ميغا بت مبلغ 3400 ليرة سورية ، ما يقارب 70$ أميركي، في بلد لا يتعدى متوسط دخل الفرد فيه 200 $ أميركي.

بقي الاشتراك في خدمة ADSLغير متوفر لفترة طويلة لعدم توافر الخطوط المجهزة. ورغم الوعود التي أطلقها وزير الاتصالات السابق عن توفير مليون خط جديد بحلول عام 2007 عبر الشركة السوريةـ الألمانية (إضافة إلى 280 ألف اشتراك بالإنترنت اللاسلكي “الوايرلس”) ، لم ينفذ شيء من الوعود السابقة، وحصلت شركة “هواوي” الصينية مؤخراً على امتياز تجهيز 33 ألف خط ADSL فقط، وهو عدد لا يوازي الطلب على الخدمة.

أطلقت شركتا الهاتف المحمول في سوريا (سيريا تيل، أم تي أن) خدمة الإنترنت عبر الهاتف المحمول للجيل الثالث (3G) في أوائل 2009، إلا أن عدد المشتركين بالخدمة قليل للغاية، نظراً لغلاء أسعارها الفاحش (ألفي ليرة سورية أو ما يعادل 40$ أميركي للغيغا بايت الواحد).

الإنترنت الفضائي ممنوع قانوناً إلا باتجاه الاستقبال (والهدف هو حصر مرور جميع البيانات عبر البوابات الحكومية)، ويمكن الحصول على اتصال بالاتجاهين بعد الحصول على ترخيص قانوني وموافقة أمنية .

كما صعبت الحكومة إجراءات فتح المقاهي الإلكترونية، حيث يحتاج مالك المقهى إلى موافقة من المؤسسة السورية للاتصالات أولاً، ومن ثم موافقة أمنية من وزارة الداخلية. كما تفرض عليه الحصول على بيانات الزوار .

الحجب والرقابة

رقابة الحكومة السورية على الإنترنت أمر شائع ومعروف، كما أن حجب وفلترة المواقع الإلكترونية منتشر بشدة في سوريا، وقد وسعت الحكومة قائمة المواقع التي تقوم بحجبها منذ أواخر 2008 . وتعترف السلطات رسمياً بأنها تحجب المواقع الإلكترونية الإسرائيلية والمواقع الإسلامية المتشددة أو التابعة لجماعة الإخوان المسلمين والمواقع الكردية التي تنادي بحقوق قومية للأكراد . وتسبب ذلك الوضع في دفع معظم المستخدمين السوريين لممارسة رقابة ذاتية بشكل كبير لا تشمل الكتابة أو التعليق فقط بل تشمل زيارة المواقع المحجوبة .

تظهر نتائج الأبحاث التي أجرتها مبادرة الإنترنت المفتوح والتي نشرت في تقريرها السنوي الأخير في تموز/ يوليو 2009 أن المواقع التي تحتوي مواداً سياسية وأدوات للتحايل على الرقابة الحكومية أو للتصفح الآمن محجوبة بشكل كلي، في حين تحجب المواقع التي تتعامل مع موضوعات شائكة إجتماعياً أو أمنياً بشكل إنتقائي . وتفتقر إجراءات الحجب إلى الشفافية عموماً، ولا يوفر أي من مزودات الخدمة أية معلومات عن أعمال الحجب والفلترة التي يقوم بها.

يستخدم السوريون صفحات البروكسي الوسيطة وأدوات التحايل للوصول إلى المواقع المحجوبة، ويفضلون استخدام مقاهي الإنترنت للوصول إلى المواقع المحجوبة .

وتستخدم السلطات برمجيات تقدمها شركة كندية تدعى بلانتيوم انك لفرض رقابتها على الانترنت. يقوم البرنامج بإقتراح العناوين الإلكترونية لحجبها إعتماداً على قائمة من الكلمات الرئيسية التي تلقم للبرنامج يدوياً، ويقوم أيضاً بالتفتيش الدقيق للحزمة (deep packet inspection) الداخلة أو الخارجة إلى سوريا عبر البوابتين الحكوميتين، وهي المرحلة التي تتم بها فلترة وحجب المواد غير المرغوبة.

ومنذ عام 2005 انتهجيت الحكومة السورية سياسة دعم وتشجيع المواقع الإلكترونية التي تنشر مواداً موالية للحكومة، في محاولة لجعل الرواية الرسمية للأحداث أكثر رواجاً كون هذه المواقع تعتمد بشكل أساسي على أخبار وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا). ومن ضمنها سيريا نيوز، الجمل، صدى سوريا، وشام برس، لدرجة أن الوزراء والمسئولين الرسميين السوريين ينصحون الصحافيين الأجانب بزيارة مواقع من هذا النوع .

وفي 18 نوفمبر 2007 حجبت السلطات السورية موقع «فيس بوك» الشهير، وزعمت السلطات أن قرار الحجب، يرجع إلى استخدام إسرائيل للفيس بوك للتغلغل في المجتمع السوري. ولا تنفك الصحف الرسمية السورية من التهجم على الموقع والترويج للادعاءات بأنه “شبكة إسرائيلية” . بعد ذلك عمدت الحكومة إلى حجب أحد مواقع المدونات الأشهر عربيا في عام 2008 وهو “مدونات مكتوب”.

اتخذت سياسة حجب المواقع الالكترونية منحى تصاعديا منذ أواخر العام 2008، حيث تم حجب العديد من المواقع السورية والعربية والعالمية وفي مقدمتها مواقع دولية شهيرة تلقى إقبالاً واسعاً خاصة ضمن شرائح الشباب ومنها “youtube” “blogspot”،”amazon”،”skype” وغيرها، ليتجاوز عدد المواقع المحجوبة وفق إحصاءات المركز السوري لحرية الإعلام والتعبير 225 موقعا الكترونياً .

ولم تكتف السلطات بحجب المواقع عن المستخدمين، بل عمدت إلى إغلاق ما تمكنت من إغلاقه، عبر الضغط المباشر وتهديد مالكي هذه المواقع. ومن بين المواقع التي أغلقت نتيجة التهديدات، موقع “مرآة سوريا”، و”سيريا لايف” الذان تم إغلاقهما “طوعيا” في 2006، 2007 على التوالي .

أول قضية ضد حجب المواقع في سوريا

وبما أن إجراءات حجب المواقع دائما تفتقر إلى الشفافية، ولم يحدث أن حجب موقع إلكتروني واحد بقرار قضائي، وكون الجهة التي تصدر قرار الحجب مجهولة في الغالب، يغدو الطعن على قرار الحجب من قبل مالكي المواقع الإلكترونية أمراً مستحيلاً.

إلا أنه في 6 نوفمبر 2007 تقدم المحامي عبد الله العلي مدير ومالك موقع النزاهة الإلكتروني بقضية أمام محكمة القضاء الإداري في دمشق ضد وزير الاتصالات طالباً إلغاء قرار حجب موقع النزاهة. وبعدما تلقى المحامي العلي رداً رسمياً من وزارة الاتصالات حمل الرقم /42/11939 ح وجاء فيه: (موقع النزاهة محجوب بموجب توجيه الفرع 225 الوارد بالفاكس رقم 389 في 3/10/2007) ، اتضحت الجهة الحقيقية التي تقف وراء حجب المواقع الإلكترونية. حيث أن “الفرع 225” هو الفرع المسئول عن شبكة الاتصالات العسكرية والتابع لشعبة المخابرات العسكرية. وهو ما يعد أول اعتراف رسمي من جهة حكومية أن المخابرات هي الجهة الفعلية التي تقف وراء أعمال الرقابة والحجب في سوريا.

سجناء الانترنت في سوريا

ينص الدستور على حرية الرأي، ولا يوجد قانون خاص بالنشر على الإنترنت. لكن السلطات تستمر في اعتقال المستخدمين جراء النشر على الإنترنت. وتعتمد الحكومة في قمعها للحرية على الإنترنت على مجموعة من المواد المطاطة ضمن قانون العقوبات السوري . يفوق عدد المعتقلين بسبب التعبير عن الرأي على شبكة الإنترنت منذ دخول الإنترنت إلى سوريا العشرين معتقلاً . وهذا ما جعل لجنة حماية الصحافيين تصنف النظام السوري في المرتبة الثالثة في قائمة أسوأ عشرة أنظمة في العالم بخصوص إعتقال ومضايقة المدونين .

ويقبع في السجن في سوريا اليوم نحو 11 سجن إنترنت منهم :

7 مدونين معظمهم من الطلاب كانوا يشرفون على مدونة الدومري السوري، محكومون بالسجن لفترات تتراوح بين خمس وسبع سنوات ، المدون طارق بياسي ، محكوم بالسجن لثلاث سنوات. المدون كريم عربجي الذي حكم عليه بالسجن ثلاثة سنوات بتهمة نشر أخبار كاذبة. والكاتبان فراس سعد، محكوم بالسجن لأربع سنوات . وحبيب صالح، محكوم بالسحن لثلاث سنوات. والأخير يعتقل للمرة الثالثة اثنين منها بسبب نشر مقالات على الإنترنت .

في 27\2\2008 اعتقل الكاتب أسامة إدوار قريو لمدة تسعة أيام على خلفية مقال نشره على مدونته، وأطلق سراحه بعد أن أجبر على إغلاق المدونة . وفي مارس 2008 اعتقل الكاتب محمد بديع دك الباب وحكم بالسجن لمدة ستة أشهر بسبب نشره مقالاً على الإنترنت . وفي أغسطس 2008 اعتقل المحامي عبد الله العلي، مدير موقع النزاهة نيوز، لمدة 12 يوم بعد دعوى أقامها ضد وزارة الاتصالات يطالب فيها برفع الحجب عن موقعه، وأطلق سراحه بعد أن أجبر على إغلاق الموقع .

خصوصية وأمان مستخدمي الانترنت في سوريا

رغم أن المؤسسة السورية للاتصالات تعلن على صفحتها الرئيسية أن “الاتصالات وتقنية المعلومات سرية ولا يجوز لأحد الإطلاع على مضمونها إلا في الحالات التي تجيزها القوانين والأنظمة النافذة وبموجب طلب رسمي من المرجع المختص أصولاً” إلا أن ما يحدث مغاير لذلك تماماً فالخصوصية والتعليق باسم مجهول ممنوعين بأوامر من الأجهزة الأمنية والمسؤولين.

في 25/7/2007 أصدر وزير الاتصالات والتقنية الأسبق عمرو سالم قراراً بتكليف من مجلس الوزراء السوري يأمر فيه إدارة المواقع الإلكترونية بذكر: “اسم ناشر المقال والتعليق بشكل واضح ومفصل”. وفي حال عدم الالتزام بذلك يكون المسؤولون عن تلك المواقع تحت طائلة العقاب بمنع الوصول إلى الموقع مؤقتاً وفي حال تكرار المخالفة يكون العقاب عدم الوصول إلى الموقع نهائياً. وفي 18\9\2007 نفذت الوزارة تهديداتها و”عاقبت” موقع “داماس بوست” الإخباري وحجبته لمدة 24 ساعة .

مقاهي الإنترنت

في مارس 2008 أبلغت عناصر من الأجهزة الأمنية أصحاب مقاهي الانترنت شفهياً ضرورة تسجيل البيانات الشخصية لمستخدمي الانترنت في محلاتهم والاحتفاظ بسجل يومي يتضمن اسم المستخدم الثلاثي واسم والدته ورقم الهوية الشخصية أو جواز السفر ورقم الجهاز الذي يستخدمه وساعة حضوره إلى المقهى وساعة مغادرته. وإلزام أصحاب المقاهي تسليم هذا السجل إلى مندوبي الأجهزة الأمنية عند حضورهم .

حالات اعتقال المستخدمين من داخل مقاهي الإنترنت ليست غريبة في سوريا، وتجبر الأجهزة الأمنية أصحاب المقاهي على التجسس على المستخدمين والإبلاغ عنهم في حال تصفحهم لمواد تعتبرها السلطات غير مرغوبة. ففي أواخر عام 2006 اعتقل عهد الهندي مع أحد أقربائه من داخل مقهى إنترنت في العاصمة دمشق وأطلق سراحهما بعد شهر تقريباً ، وفي فبراير 2009 اعتقل محي الدين عيسو مراسل موقع منصات من داخل مقهى إنترنت في محافظة حمص وأطلق سراحه بعد عدة ساعات.


المشاكل التي تواجه مستخدمي الإنترنت عموماً

بدأ السوريون بالحصول على خدمة الإنترنت في العام 2000 ، وبدأت الجمعية المعلوماتية السورية بتقديم الخدمة بدايةً لشرائح معينة دون أخرى كان لها أولوية على الباقين (الأطباء والمهندسين والمحامين). وبعد عام تقريباً بدأت المؤسسة السورية للإتصالات (مؤسسة حكومية ثانية) تقديم الخدمة للمواطنين عامة، وكان على السوريين الذين يودون الإشتراك إحضار صورة عن بطاقة الهوية ونسخة مطبوعة من استمارة طلب الإشتراك إلى مركز خدمة الزبائن، وتوجب عليهم ملء بيانات الإسم وإسمي الوالدين والجنسية ورقم الهوية الذي تصدرها الحكومة وتاريخ ومحل الميلاد والمهنة واسم المستخدم وكلمة السر.

ومثلت التكلفة الباهظة للخدمة أحد أهم العوائق التي وقفت في وجه إنتشارها. لكن وعلى الرغم من هذه العوائق فقد ارتفع عدد المستخدمين في سوريا سريعاً، إذ أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها الذي صدر عام 2005  أن عدد المستخدمين السوريين كان يقدر وقتها بأكثرمن 500 ألف مستخدم.

في حين تقدر مجموعة الإستشاريين العرب، وهي بيت خبرة إستشاري تجاري مركزه عمان، أن يرتفع عدد مستخدمي الإنترنت السوريين بنسبة 24.9% بين عامي 2004  و2009، لتفوق نسبة المسستخدمين عام 2009 الـ 10% بعد أن كانت تقدر بأقل من 1% عام 2004.

لكن عوائقاً مصطنعة وعراقيل مقصودة زرعت في وجه الخدمة الوليدة كانت كفيلة بتقييدها ومحاولة الحد من إنتشارها، أو العمل على إنتشارها وفق منهجية تفرغها من مضمونها، الأمر الذي حدا بمنظمة هيومن رايتس ووتش أن تعنون التقرير المذكور سابقاً بعنوان : الحرية الزائفة.

بدأت السلطات الإعتماد على مجموعة من القوانين المقيّدة والتدابير غير القانونية لقمع حق السوريين في الوصول إلى المعلومات ونشرها بحرية على الإنترنت. بدأت بالرقابة ومتابعة الرسائل الإلكترونية وصولاً إلى حجب المواقع وإلقاء القبض على مستخدمي الإنترنت والمدونين ومقاضاتهم؛ رقابة فرضتها أنظمة تخشى من مواطنيها معرفة الحقيقة الكاملة، أو على الأقل الصورة المعاكسة لما يصدرها إعلامها الرسمي، فلجأت إلى قتل المعلومة عن طريق حجبها عن بقية شرائح المجتمع، بهدف تحويل الحياة الافتراضية الالكترونية للسوريين إلى حياة تشبه حياتهم الواقعية؛ حياة يلفها العزلة والصمت والعيش على الهامش. وخلقت لهذا الغرض أنظمة مراقبة دقيقة وفعّالة في مواجهة هذا المد الهائل من المعلومات.

فمنذ اللحظة الأولى لم يكن أمام المواطن سوى استخدام خدمات البريد الإلكتروني التى تقدمها شركات التزويد المحلية والتي يسهل رقابتها فالسلطات السورية حجبت الوصول إلى مواقع خدمات البريد الالكتروني المجانية الشهيرة مثل Yahoo أو Hotmail أو Maktoob وغيرها ولم ترفع الرقابة عنها حتى العام 2004 الأمر الذى أرجعه أحد الخبراء إلى احتمال حصول السلطات على تجهيزات ومعدات أمنية جديدة تتيح لها رقابة البريد المتداول عبر هذه الخدمات أيضاً.

ومسألة الحجب والتعطيل هذه لا تأتي بالمصادفة، فالخطة الحكومية الخمسية العاشرة في فصل مخصص للإعلام وتحت عنوان «العوائق والمخاطر» ورد ما يلي حرفياً “أهم وأخطر ما نواجهه هو ما يسمى بالعولمة الإعلامية كأحد مظاهر النظام العالمي الجديد والتي دعت إليها وسائل الإعلام باستمرار ومن بينها الشبكة العنكبوتية، الإنترنت التي تبث من دون حسيب أو رقيب..!”

وفي شهر تشرين الثاني 2005 اعتبرت منظمة مراسلون بلا حدود السلطات السورية واحدة من أشرس خمسة عشر عدواً لشبكة الإنترنت على مستوى العالم. في حين صنفت منظمة Article19 سوريا ضمن الأنظمة العشرة الأكثر عداءاً للإنترنيت، وتقيداً لاستخدامها في العالم.

وأوردت دراسة أوبن نت (مبادرة الإنترنت المفتوح) التي جاءت نتيجة شراكة بين جامعات اوكسفورد وكامبريدج البريطانيتين وهارفرد الاميركية وتورونتو الكندية، ان حكومات في آسيا والشرق الاوسط وشمال افريقيا تمنع مواطنيها من الوصول الى معلومات تعتبر حساسة في هذه الدول وتتعلق بالسياسة والثقافة والجنس والدين.

وقالت الدراسة التي وضعت خلال عام 2006 ان “الطريقة التي تحصل فيها الرقابة تزداد تطوراً مع تطور أدوات الانترنت”. وأن ست دول تركز خصوصاً على الرقابة السياسية على الإنترنت كانت سوريا بينها. (بورما والصين وايران وسوريا وتونس وفيتنام).

وحجبت السلطات منذ منتصف 2006 عشرات؛ لا بل بل مئات المواقع ذات الإستخدام الواسع حيث يتم الحجب من قبل المؤسسة السورية للإتصالات بناء على طلب المخابرات.

وفي 18 تشرين الثاني 2007 حجبت السلطات السورية موقع «فايس بوك» الشهير.

وفي 1\7\2007 أبلغت عناصر من الأجهزة الأمنية أصحاب مقاهي الانترنت شفهياً ضرورة تسجيل البيانات الشخصية لمستخدمي الانترنت في محلاتهم والاحتفاظ بسجل يومي يتضمن اسم المستخدم الثلاثي واسم والدته ورقم الهوية الشخصية أو جواز السفر ورقم الجهاز الذي يستخدمه وساعة حضوره إلى المقهى وساعة مغادرته. وإلزام أصحاب المقاهي تسليم هذا السجل إلى مندوبي الأجهزة الأمنية عند حضورهم.

ومنذ أيام كتب الناشط خالد الإختيار مقالاً يصف فيه الإنترنت في سوريا بأنه “على الهوية”، يتساءل فيه عن التشدد المفاجئ في التعاطي مع مقاهي الانترنت المحلية, والذي وصل حد تعليق رخص بعضها وإغلاقها في قلب العاصمة دمشق, والتضييق على رواد تلك المقاهي من خلال إلزام أصحاب (الكافيات) الطلب إلى زبائنهم كلما أرادوا الولوج إلى الشبكة الدولية إبراز هوياتهم أو جوازات سفرهم, وإتباع ذلك بتسجيل الأسماء, والأرقام, والمعلومات الشخصية الأخرى, وحفظها في جداول خاصة لإبرازها (عند الطلب)؟!.

d8a7d984d8a5d986d8aad8b1d986d8aa-d981d98a-d8b3d988d8b1d98ad8a7-d8b9d984d989-d8a7d984d987d988d98ad8a9 الصورة مأخوذة من موقع منصات

وفي سياق هذه السياسات المنهجية بهدف القضاء على الخصوصية التفاعلية وعلى مساحة الحرية التي يوفرها الإعلام الالكتروني أصدر وزير الاتصالات والتقانة الأسبق عمرو سالم بتكليف من مجلس الوزراء السوري قراراً بتاريخ 25/7/2007  يأمر فيه إدارة المواقع الإلكترونية بذكر: “اسم ناشر المقال والتعليق بشكل واضح ومفصل تحت طائلة إنذار صاحب الموقع ومن ثم عدم النفاذ إلى الموقع مؤقتاً وفي حال تكرار وقوع المخالفة عدم النفاذ إلى الموقع نهائياً”.

وفي 18\9\2007 نفذت الوزارة تهديداتها و”عاقبت” موقع “داماس بوست” الإخباري وحجبته لمدة 24 ساعة.

وفي آذار 2008 كتب المدون نهاد الشامي على مدونته (سوري يا نيالي) خبراً مفاده أن السلطات السورية حجبت مدونات مكتوب في سورية وقد تعذر على المدونين السوريين داخل سوريا على موقع مكتوب، البالغ عددهم أكثر من ثلاثة آلاف مدون الوصول إلى صفحات مدوناتهم.

d8a2d98ad8a9

وفي آب الماضي قامت السلطات السورية بحجب موسوعة ويكيبيديا (Wikipedia) بنسختها العربية على جميع مزودات الخدمة في البلاد، ليفقد السوريون مصدراً إضافياً من مصادر المعرفة والمعلومات.

ولم تكتف السلطات بحجب المواقع عن المرتادين، بل عمدت إلى إغلاق ما تمكنت من إغلاقه، ففي نيسان 2006 توقف موقع مرآة سوريا عن العمل “طوعياً” بعد ضغوط مورست على رئيس تحريره ليفاجأ زوار الموقع بالرسالة التالية:

1

الأمر ذاته فعله موقع سيريا لايف في عام 2007 إذ أجبر الموقع على الإغلاق طوعاً، ووجد زواره الرسالة التالية على صفحته الرئيسية:

2

وفي مطلع آب الماضي تم اعتقال المحامي عبد الله العلي، مدير موقع النزاهة نيوز، لمدة 12 يوم، والموقع المذكور هو موقع قانوني بحت ويشرف عليه عدد من المحامين والقضاة الشباب، وأطلق سراحه لنفاجأ باليوم التالي بإعلان إغلاق الموقع، تبين أن المحامي العلي خيّر بين الإحالة للمحاكمة أو إغلاق الموقع فاختار إغلاق الموقع:

d8a7d984d986d8b2d8a7d987d8a9

قبل اعتقال المحامي العلي أقام الأخير دعوى قضائية هي الأولى من نوعها في سوريا ضد وزارة الإتصالات (والثانية في الوطن العربي بعد دعوى شبيهة أقيمت في مصر) بسبب حجب موقع النزاهة الذي يملكه ويديره، وبعدما فشلت جهوده لرفع الحجب عمد إلى تغيير الموقع وانتقل إلى أخبار النزاهة بدلاً من النزاهة، لكن الملفت في هذه الدعوى أن وزارة الإتصالات ردت عبر محاميها على مجلس الدولة (المحكمة الإدارية) أن الوزارة  ليست هي صاحبة القرار بالحجب أو من يقوم به، وإنما يتم عن طريق أجهزة المخابرات، ويعد هذا أول اعتراف رسمي من جهة حكومية أن المخابرات هي من يقوم بالرقابة والحجب.

واتخذت سياسة حجب المواقع الالكترونية من قبل الحكومة السورية منحى تصاعديا منذ أواخر العام الماضي، فشهد مستخدمو الانترنت داخل سوريا حجب العديد من المواقع السورية والعربية والعالمية، من سياسية واجتماعية وثقافية  يستوي فيها التدويني الشخصي بالإباحي بالخدمي بالإخباري.  وفي مقدمتها مواقع دولية شهيرة تلقى إقبالا واسعا, خاصة ضمن شرائح الشباب, وعلى رأسها مواقع (facebook)، و(youtube) و(blogspot)، و(wikipedia),و(amazon) و(skype) وغيرها, ليتجاوز عدد هذه المواقع وفق إحصاءات أحد المراكز السورية المختصة حوالي 170 موقعا الكترونياً.

ناهيك عن التحضيرات الموازية الجارية على”قلم” وساق في وزارة الإعلام السورية لإصدار طبعة جديدة من قانون المطبوعات والنشر تأخذ في (عين الاعتبار) تقنين الشهية المفتوحة للسوريين للتعبير الكترونيا!

بداية ظهور التدوين عموماً

في عام 2004 كان هناك 4 مدونات تعلن أنها مدونات سورية، ومع ظهور مواقع عالمية تقدم خدمة التدوين باللغة العربية بدأت تزداد شيئاً فشيئاً ولكن بشكل بطيء إلى أن حدثت الزيادة المطردة في عدد المدونات السورية مع عام 2008..

قصة النمو المطرد يردها المدون السوري  ناثين جوزف صاحب مدونة “مـداد” إلى تزايد مقاهي الانترنت الذي أتاح فرصة أكبر للشباب السوري لاستخدام الانترنت استخدامات متنوعة ومنها المشاركة في منتديات النقاش الالكترونية. ومع تزايد الضغوط حتى على المنتديات بداية عام 2008 بدأ الشباب يبحثون عن مساحة أوسع من المنتديات للتعبير عن أفكارهم وليكون لهم لونهم الخاص فحصل ما يشبه الهجرة من المنتديات إلى المدونات الشخصية.

هناك شبه إجماع بأن ظاهرة التدوين مازالت محدودة في المجتمع السوري عموماً، فعدد المدونات السورية قليل ولم يتخط المئات مقارنة  مع المدونات الأردنية مثلاً..

يرى عميد المدونين السوريين، المدون عمر مشوح صاحب مدونة المرفاً، مؤسس ومدير تجمع المدونات السورية (المدون) أنه في هذه السنة زاد عدد المدونين وانتشرت ثقافة التدوين وأصبح هناك وعي لدى مستخدمي الانترنت بأهمية التدوين وفوائده.

فيما يرى مدونون آخرون أن الكثيرين من المدونين السوريين يعبرون عن أفكارهم دون الالتزام بخطوط حمراء، وساعد التدوين أيضاً على ظهور كتّاب شباب لديهم مواهب متعددة على مستويات مختلفة لم يتح لها الظهور على أرض الواقع ومازالت تتخبط في حيطان الشبكة الالكترونية الافتراضية على أمل أن تمد رأسها للواقع فيراها الجميع. ويعتقد البعض أن أهم ما استطاع التدوين أن يحققه هو قدرته على إثبات وجوده وفعاليته خلال فترة قصيرة للغاية.

ومع هذا التفاؤل الكبير يعترف الجميع أن الحدود بين المجتمع الافتراضي على الشبكة العنكبوتية، وبين الحياة الواقعية، ما تزال مزروعة بالألغام..لكن وفقاً لتعبير مدون سوري فإن ما يجعل “المدونات” في سورية قضية مثيرة الجدل، أنها ولدت لتردم الهوة التي عجز فيها الإعلام المطبوع والمسموع والمرئي وحتى الالكتروني عن تقبل الجيل الشاب ورأيه في الحياة.

وتتنوع اهتمامات المدونات السورية ما بين التقنية والسياسية والثقافية والتسلية والاجتماعية، ولكنها بالمجمل تركز على هموم الوطن والمواطن، ويعتبر ذلك” دليل وعي وثقافة المدون السوري”، ويرى مدونون آخرون أنه التدوين بديل للإعلام لكنه بديل لا يمكن لأحد احتكاره أو السيطرة عليه.

كيف يقرأ المدونون السوريون ما يقومون به، هل يعتبرون أنفسهم مؤثرين مثلاً؟؟

استشهد هنا برأي المدون عمر مشوح، إذ يقول :”إلى هذه اللحظة لم نخض مغامرة حشد الرأي العام لقضية ما أو مناصرة موضوع ما، حتى أحكم على هذه النقطة بالفشل أو النجاح، لكننا خضنا تجربة بسيطة مع بعض المدونين في مناصرة قضية ما، وحقيقة كانت النتائج رائعة جداً وتم حشد رأي عام ونشر للقضية بشكل كبير. مما يعني أننا نملك وسيلة لا غنى عنها في معارك المجتمع المدني”.

أسبوع التدوين الدمشقي.. مبادرة تدوينية جماعية

وهي فكرة أطلقها المدون ناثين جوزيف بهدف مشاركة مجتمع المدونين السوريين في فعاليات دمشق عاصمة للثقافة العربية 2008، وكان الأسبوع من 9 إلى 15 آب تحت عنوان (لندوّن من أجل دمشق 2008)، تلك المبادرة التي يصفها ناثين بـ “الخطوة الأولى لجمع الشتات التدويني وتوجيه دفته باتجاه واحد. إذ جمعت أكثر من خمسين مدونة سورية وعدة مدونات عربية. إن بالمشاركة بتدوينة خاصة عن الأسبوع أو وضع اللوغو الخاص بها على صفحاتهم”.

ويرى ناثين أن أسبوع التدوين الدمشقي أثبت بأن المدونين السوريين -على الرغم من شحّ أعدادهم وقلة مدوناتهم-قادرون على الاجتماع حول مسلّمات لا خلاف فيها أو دعم قضية ما رغم اختلاف الإيديولوجيات والآراء والأفكار.

التجمعات التدوينية:

ظهر في الفترة الأخيرة على شبكة الانترنت ما يعرف بتجمعات للمدونات السورية، وهو بالطبع تقليد متبع في معظم دول العالم التي تنتشر فيها ظاهرة التدوين على الانترنت. وتهدف إلى تركيز دفق التدوينات في مكان واحد ليسهل الإطلاع عليها ومتابعتها، إذ يصعب على المتصفح أن يزور آلاف المدونات لكي يطلع على جديدها أو ما تقدمه، فتأتي التجمعات لتسد هذه الثغرة وتوفر إمكانية الإطلاع والمتابعة بكل سهولة ويسر. ويقول عمر مشوح مدير ومؤسس تجمع “المدون: “من أهم أهداف وغايات مثل هذه التجمعات هو التكتل وراء قضية ما ومناصرتها والتدوين لأجلها وترويجها افتراضياً وواقعياً. فمثل هذه التجمعات هي أهم وسيلة لحشد الرأي العام حول قضية ما سواء إنسانية أو اجتماعية أو سياسية. فعندما يكون لديك هذا التجمع الكبير من المدونين فإن حشد الرأي العام وتسويق الفكرة أو القضية يكون أمراً سهلاً وفعالاً في نفس الوقت.

تأثيرات المدونات كبيرة جدا إذا تم تفعيلها ونشر ثقافتها في المجتمع، فالمدونات بدأت تنقل أحداثا اجتماعية أو سياسية لا ينقلها الإعلام الرسمي ، أو قل بصيغة أخرى أصبحت صوت الشعب المقهور والمظلوم . ولذلك تأثر المجتمع ، وأصبح المدونون يشعرون بقوة تأثيرهم في محيطهم .لذلك لو تكاثرت هذه المدونات المؤثرة لكان هناك تغيرا كبيرا في المجتمعات ولأصبح المجتمع قويا لقوة تأثير هذه المدونات .

مواقف كثيرة يظهر فيها تأثير المدونات، مثل الحملات الإلكترونية في مساندة قضايا حقوق الإنسان والمجتمع المدني ، مثلا قمنا نحن المدونون السوريون بحملة إلكترونية للدفاع عن المدون السوري طارق بياسي وذلك لأن السلطات اعتقلته بسبب كلمات كتبها في أحد المنتديات، وتحركت معنا لجان حقوق الإنسان والمجتمع المدني ومراسلون بلا حدود وغيرهم الكثير ، رغم أنهم لم يكونوا يعرفون عن القضية شيئاً! لكن تدوينة واحدة عن الموضوع حركت كل هذه الجماهير والتجمعات . صحيح أننا لم نستطيع تغيير الحكم أو الواقع ، لكن اسمه أصبح رمزا للحرية وعرف الجميع بقصته وتحرك الجميع لنصرته .

ومن الناحية الواقعية (أي على الأرض) تكمن الصعوبة في التقاء المدونين وجهاً لوجه لأسباب كثيرة أهمها المساحة الجغرافية التي تفصل المدونين عن بعضهم البعض، كما أن اختلاف المشارب الفكرية والثقافية (قد) يكون عاملاً من عوامل عدم تحقق هذا التجمع على الأرض”.

فإذاً نحن أمام مجتمع متكامل يأخذ حيزه على الشبكة العنكبوتية ويسعى إلى تحديد ملامح حقيقية لوجوده على اختلاف اتجاهات ومرجعيات أصحاب هذه المدونات.

التحديات التي تواجه المدونين  والعوائق  التي تقف بوجه توسع الظاهرة

لعل حجب المدونات الإلكترونية أمر أكثر خطورة اليوم من حجب مواقع الصحف البارزة، وتعرضت المدونات في سوريا للحجب، ولعل أول مدونة سورية تم حجبها هي مدونة الدومري السوري على بلوغ سبوت، ولاحقاً حجبت مدونات بلوغ سبوت جميعها، يعني أن أكثر من 100 مليون مدونة بمئات اللغات محجوبة، لاحقاً حجبت مدونات مكتوب، ثم تلتها مدونات كاتب.

لم يتوقف الأمر عند الحجب والإغلاق، بل أصبح تخريب المواقع إلكترونياً أمر مألوف، فتم تخريب موقع المشهد السوري قبل إنطلاقه بأيام.

وأخطر ما يواجهه المدونون هو الإعتقال وإنزال أحكام قاسية بحقهم، إضافة لإعتقالهم دون إحالتهم للمحاكمة وإجبارهم على إغلاق مدوناتهم، وهذا ماحصل مع المدون أسامة إدوار قريو “مدونة آشوريون من أجل الوجود والحرية“، إذ تم اعتقاله في 27\2\2008 على خلفية مقال بعنوان “اللاءات الثلاث: لا غاز لا مازوت لا كهرباء” لمدة تسع أيام يعتقد أنه تعرض خلالها للتعذيب وأطلق سراحه إغلاق مدونته:

3

ولعل أحد أهم أسباب محدودية تأثير المدونات السورية -كماً وانتشاراً- هو: “تعامل السلطات مع المدونات وحجبها وحجب املواقع التي تقدم خدمة المدونات المجانية، مما أدى إلى تقلص مساحة التدوين وانحسار موجة المد التدوينية في المجتمع السوري.

إضافة إلى مشكلة تكلفة الانترنت وضعف خطوط الاتصال من داخل سورية، مما أدى إلى صعوبة انتشار ثقافة التدوين وبطء انتشار المدونات وتفاعل المستخدمين معها”.

إضافة إلى أن المجتمع السوري لا يزال بحاجة إلى توعية ونشر ثقافة التدوين وأهميته وتأثيره “وهذا يحتاج إلى تعاون وتكاتف جميع الجهات الحكومية إلى الأفراد”.

كيف يكون التدوين خطوة نحو التغيير ؟  التدوين المقاوم:

التدوين باب من أبواب المقاومة، فالتدوين تجاوز مرحلة كتابة الخواطر والأحداث اليومية الشخصية، ليصبح عاملا من عوامل الضغط والتغيير.

ولعل أبرز أهداف التدوين المقاوم هي العمل على إحداث تغيير إيجابي في البيئة المحيطة عبر مقاومة كل سلبية في المجتمع أو البيئة من جهل وضعف وإستبداد، ونشرثقافة المقاومة السلمية التي تدعو للتغيير السلمي ضمن أطر المجتمع المدني، ورفع نسبة الوعي بقضايا المنطقة وأحداثها وما يخطط لها.

و يجب أن تتوفر شروط أساسية لكي تستطيع هذه المدونات إحداث التغيير المراد إذ لا بد من مدونات واعية فكرياً وثقافياً تتجاوز الدائرة الشخصية إلى دائرة المجتمع الذي تعيشه، ولا بد من وجود هدف تسعى له المدونة ويسعى له المدون نفسه ، والانضمام والتفاعل مع التجمعات التدوينية، والتفاعل مع الأنشطة التدوينية الجماعية من أجل توسيع دائرة التأثير والانتشار، ويغدو من نافل القول أن الاستمرارية في التدوين وعدم الانقطاع والابتعاد عن الأحداث، له دور كبير على حجم تأثير المدونين.

بعض المدونين المعتقلين ومدوناتهم، صحفيو الإنترنت السجناء الآن أكثر من الصحفيين السجناء من أي وسيلة إعلام أخرى:

في تقريرها السنوي لعدد الصحافيين المعتقلين الذي أطلقته منذ أسبوع، قالت لجنة حماية الصحافيين أن “عدد صحفيي الإنترنت في السجون في جميع أنحاء العالم اليوم أكثر من الصحفيين الذين يعملون في أي وسيلة أخرى، بما يعد انعكاسا للتأثير المتزايد لصحافة الانترنت والآراء المنشورة إلكترونياً”.إذ وُجِد أن 45 % من جميع العاملين في وسائط الإعلام المعتقلين في جميع أنحاء العالم، هم من المدونين، والصحفيين على الإنترنت، ومحرري المواقع الإلكترونية.

في سـوريا، عدد المعقتلين بسبب التدوين والنشر الإلكتروني يشكل صدمة كبيرة مقارنة بعمر الإنترنت في البلاد، فلم يكن قد مضى على الخدمة عامين حتى اعتقل في أيلول 2002 كلاً من يحيى الأوس والأخوان مهند قطيش وهيثم قطيش بسبب إرسالهم أخباراً بالبريد الإلكتروني لصحيفة خليجية.

وأدين الثلاثة بتهمة “إستخدام الإنترنت لنشر أخبار كاذبة من شأنها إضعاف الشعور القومي”. وحكموا بالسجن سنتين ليحيى الأوس، و3 سنوات لمهند قطيش وأربع سنوات لأخيه هيثم قطيش.

وفي شباط 2003 اعتقل عبد الرحمن الشاغوري لسبب مجهول، وفي 26 حزيران 2003 أرسل المقرر الخاص المعني بالتعذيب ورئيس ومقرر فريق العمل المعني بالإعتقال التعسفي والمقرر المعني باستقلال القضاة والمحامين نداءً عاجلاً ومشتركاً إلى الحكومة السورية بشأن الشاغوري، وفي 15 أيلول ردت الحكومة السورية بأنه قبض على عبد الرحمن الشاغوري بسبب إرساله عبر البريد الإلكتروني مقالات مأخوذة من صحيفة أخبار الشرق، وقالت الحكومة أنها تعتبر محتوى هذا الموقع “ضاراً بسمعة الأمة وأمنها، وأنه مليء بالأفكار والآراء المعارضة لنظام الحكم في سوريا”. وحكم على الشاغوري لاحقاً بالسجن ثلاث سنوات من قبل محكمة أمن الدولة العليا.

وفي حزيران 2004 اعتقل مسعود حامد، الناشط في مجال حقوق الإنسان بسبب استخدامه الإنترنت في بث أشرطة فيديو صورها بنفسه، يظهر فيها كيف تقمع عناصر الأمن مظاهرة الأطفال الأكراد المجردين من الجنسية أمام مبنى الأمم التحدة في دمشق. وحكم على حامد بالسجن 3 سنوات.

وفي أيار 2005 اعقتل حبيب صالح بسبب كتابته سلسلة من المقالات على موقع إيلاف الإلكتروني، وحكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وأفرج عنه بعد سنتين وربع، لكن أعيد إعتقاله في أيار الماضي بتهمة نشر مقالات عبر الإنترنت تضعف الشعور القومي.

وفي مطلع عام 2006 اعتقلت السلطات مجموعة من 8 طلاب جامعيين، وحاكمت سبعة منهم أمام محكمة أمن الدولة العليا، بتهمة “نشر كتابات ومقالات وتعليقات وتصريحات تعرض سوريا لخطر أعمال عدائية” في إشارة إلى مدونة مشتركة كان الطلاب يكتبون فيها هي مدونة الدومري السوري. وحكم عليهم بالسجن لخمس سنوات ولسبع سنوات لإثنين منهم. والصورة التالية من أرشيف  المدونة:

14

وفي آب 2006 اعتقالت السلطات فراس سعد، بسبب كتابته مقالاً على موقعه الفرعي على موقع الحوار المتمدن، يتساءل فيه عن دور الجيش السوري خلال حرب تموز 2006 على لبنان، وحكم عليه بالسجن لأربع سنوات من قبل محكمة أمن الدولة العليا.

وفي تموز 2007 اعتقل طارق بياسي بسبب تعليق كتبه على أحد المنتديات الإلكترونية يسخر فيه من أجهزة الأمن واسلوبها في التحقيق مع معتقليها، وحكم على الشاب بالسجن ثلاث سنوات من قبل محكمة أمن الدولة أيضاً.

وفي آب 2007 اعتقل كريم عربجي، المشرف على المنبر الحر في منتدى أخوية الإلكتروني، وتمت إحالته إلى محكمة أمن الدولة أيضاً وهو لا يزال قيد المحاكمة.

وفي تشرين الأول 2007 أفرج عن علي زين الدين بن مجعان الذي حكم بالسجن لسنتين بسبب كتباته تعليقاً يشتم فيه حكام المملكة العربية السعودية، بعد أن أنهى فترة حكمه.

فسحة أمل:

رغم الحصار الشديد المفروض وجد النشر عبر شبكة الانترنت لنفسه منفذاً وحقق تواجداً لدى المواطن السوري الذي يرغب فى استكشاف مصادر مستقلة للمعلومات تختلف عن الإعلام التقليدي الخاضع للرقابة وذلك رغم المخاطر الشديدة التى تحيط بالتواجد على الشبكة.

ورغم سياسة الحجب التي كانت ومازالت متبعة، فإن عدداً قليلاً من مستخدمي الإنترنت السوريين هم من يعانون من نتائجه، فالالتفاف على المنع هذا أسهل من الالتفاف على منع جريدة أو مجلة ورقية من دخول السوق المحلية، وقد طوّر السوريون طرقاً وأدوات تسمح بتجاوز الحجب والوصول إلى المواقع المحجوبة ببساطة ويسر شديدين.

وما دام الحجب لا يحقق أهدافه المفترضة في منع مستخدم الإنترنت السوري من الوصول إلى معلوماتٍ لا تريد الجهات التي تقرر الحجب أن يصل إليها، فلا يمكن أن نفهم استمرار سياسات الحجب إلا على أنها مجرد منغصٍ إضافي، أو إثبات وجودٍ بطرق دونكيشوتية قديمة لم تعد تنفع مع تطور تقانة المعلومات وتطور خبرة السوريين في استخدامها للوصول إلى المعلومات.

فقد وسعت شبكة الانترنت قاعدة الحصول على المعلومات ونشرها وإنتاجها، والتعبير عن الرأي وتوصيله، فحازت بذلك مفعولاً ديمقراطياً أكيداً. ووفرت فرصاً للتعارف والتواصل والتجمع الافتراضي لأناس لم يسبق لهم أن التقوا، وقد لا يلتقون أبدا. وهذا شأن عظيم الأهمية في بلد تحرم فيه حالة الطوارئ العريقة اجتماع الناس الطوعي والمستقل في الشارع، إن لأغراض تضامنية أو احتجاجية أو حتى احتفالية. بذلك كله أظهرت شبكة الانترنت أنها غير محايدة سياسياً، وأنها أكثر ديمقراطيةً مما ترضى به السلطات السورية.

ورغم أن آلية عمل المدونين في سوريا بقيت إلى الآن، تدخل في حيز النشاطات الهاوية والتطوعية التي تفتقد إلي الاحتراف… إلا أنها استطاعت أن تسجل هدفاً في مرمى القمع السوري الرسمي… فحركة التدوين تكبر يومياً… والأصوات والوجوه التي تسعي لرصد الحقيقة، ومتابعة الخبر قبل تزويره، تزداد عدة وعتاداً… والأهم اليوم، ليس أنها مجرد خرق لجدار الصمت والتعتيم الجاثم علي صدورنا، بل أنها نواة لحالة وعي… حالة وعي بحقوق المواطنة، وبإمكانية هدم جدار الصمت بدلا عن خرقه، وبالأمل من أن يتحرر الشباب السوري من منظمات التدجين، ووسائل إعلام الكذب والنفاق والتعبئة الجماهيرية، التي تداس فيها الحقيقة والحقوق تحت أرجل إعلام عديم الضمير، وأعمى البصر والبصيرة!

الإنترنت نعمة سنحافظ عليها ونقاتل من أجلها حتى آخر مدون، لنراها تصل إلى حيث نريد نحن ولا يريد آخرون، إلى يوم نلج فيه مواقعنا السورية فلا نفاجأ بكلمة “ممنوع الدخول”، يوم قريب جداً، يرونه بعيداً… ونراه قريباً.

– ملف مجلة شبابليك عن التدوين السوري، المدونون الشباب في سوريا.

– مقابلة عميد المدونين السوريين الصديق عمر مشوح مؤسس ومدير مجمع التدوين السوري “المدون” وصاحب مدونة المـرفأ، تمت المقابلة مع منتدى أشرعة.

– تدوينة للمدون عمر مشوح بعنوان” التدوين المقاوم.

– محاضرة سابقة ألقيت ضمن فعاليات افتتاح مركز سكايز لمراقبة الحريات الإعلامية في مؤسسة سمير قصير             “الإنترنت في سوريا نعمة أم نقمة؟؟“.

– تقرير هيومن رايتس ووتش ” الحرية الزائفة”.

– تقرير منظمة “لجنة حماية الصحافيين السنوي لعام 2008.

كل الشكر لمن قدم نصائح ودعم وتشجيع لهذا النص.