Posts Tagged ‘الإنترنت في سوريا’

أفرجت السلطات السورية مساء يوم الخميس 7/1/2010 عن المدون السوري الشاب كريم عربجي بموجب قرار عفو خاص صادر عن رئيس الجمهورية العربية السورية .

جدير بالذكر ان جهاز امني سوري كان قد اعتقل المدون الشاب كريم عربجي (32 سنة) بتاريخ 7/6/2007 على خلفية مشاركته في إدارة منتديات على شبكة الانترنت وأصدرت محكمة امن الدولة العليا بدمشق في 13/09/2009 حكما بالسجن لمدة ثلاث سنوات بحقه بتهمة نشر أنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة وفقا للمادة 286 من قانون العقوبات السوري .

المصدر: المرصد السوري

الفصل الخاص بسوريا من التقرير الأخير للشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان حول حرية الإنترنت في العالم العربي، التقرير بعنوان شبكة إجتماعية واحدة ذات رسالة متمردة.
أعده لصالح الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان: محمد علي العبد الله

سوريا أونلاين .. و أغلب السوريين ليسوا كذلك

نظرة عامة

في الربع الأول من عام 1963 أصدر المجلس الوطني لقيادة الثورة في سوريا الأمر العسكري رقم 2، الذي نص في مادته الأولى على أن “تعلن حالة الطوارئ في جميع أنحاء الجمهورية العربية السورية ابتداء من 8/3/1963 وحتى إشعار آخر”.

ومنذ هذا التاريخ، وحتى الربع الأخير من 2009، أكثر من 46عاما، لم يصدر ذلك الإشعار الأخر، وباتت حالة الطوارئ والأحكام العرفية في سوريا هي الأقدم والأطول عمرا في العالم، وعلى الرغم من ذلك دأبت الصحافة السورية التابعة للحكومة “وأغلب الصحف السورية كذلك” تحاصر المواطن السوري بعناوين تثني على الديمقراطية والحرية السورية، رغم أن حالة الطوارئ المفروضة تعني استمرا السجون والمحاكمات الجائرة للنشطاء و المعارضين السوريين. وباتت الأشهر القليلة من الانفتاح التي أعقبت تولي الرئيس بشار الأسد الحكم خلفا لوالده الرئيس الراحل حافظ الأسد، ليست أكثر من استثناءا يؤكد القاعدة.

قطاع الاتصالات والانترنت

بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في سوريا في عام 2000 نحو 30 ألف مستخدم. وتضاعف بعد تسعة أعوام فقط بأكثر من مائة ضعف. وخلال تلك الفترة اختلفت شروط الحصول على الخدمة بشكل كبير حيث كان على الراغبين بالاشتراك إحضار صورة عن بطاقة الهوية ونسخة مطبوعة من استمارة طلب الاشتراك إلى مركز خدمة الزبائن، وتوجب عليهم ملء بيانات الاسم واسمي الوالدين والجنسية ورقم الهوية الذي تصدرها الحكومة وتاريخ ومحل الميلاد والمهنة واسم المستخدم وكلمة السر.

أما اليوم فالوضع مختلف تماماً، فيمكن لأي مواطن الاشتراك بخدمة الإنترنت المسبقة الدفع عبر شراء بطاقة مسبقة الدفع من أي مكتبة أو محل اتصالات ليجد عليها تعليمات الاستخدام التي لا تتطلب تسجيل بيانات المستخدم (نظرياً كون بيانات هاتفه الأرضي الذي يتصل منه مسجلة مسبقاً).

ويزيد عدد مستخدمي الإنترنت في سوريا حاليا عن 3.5 مليون مستخدم . ونظرا لأن عدد السكان 21.7 مليون نسمة، تقدر نسبة مستخدمي الإنترنت إلى مجموع السكان بـ 16.7%. ويقارب معدل انتشار خطوط الهاتف الثابت 17% ، حيث يعتمد معظم السوريون على الاتصال الهاتفي (دايل أب) للاتصال بالإنترنت. قد يوحي تقارب نسبة مستخدمي الإنترنت مع نسبة مالكي الهواتف الثابتة أن جميع هؤلاء تقريباً يستخدمون الإنترنت، إلا أن معرفة نسبة انتشار أجهزة الكمبيوتر (8.7% فقط حتى نهاية عام 2007) يؤكد أن نسبة كبيرة من السوريين يستخدمون الإنترنت من مقاهي الإنترنت.

عدد مشتركي الاتصال الواسع النطاق بلغ 11,100 مشترك، وهي نسبة ضئيلة للغاية 0.05% فقط ، حيث خدمة ADSL في سوريا هي الأصعب منالاً والأغلى في الشرق الأوسط . نسبة انتشار الهاتف المحمول ضعيفة هي الأخرى وتقارب 33.24% ، في عام 2009 بدأت شركتا الهاتف المحمول بتقديم خدمة الإنترنت عبر الهاتف (الجيل الثالث أو G3) إلا أن عدد مستخدميه لا يزال محدوداً للغاية.

واقع الخدمة:

تحتكر الجمعية السورية للمعلوماتية (الأولى) والمؤسسة العامة للاتصالات خدمة الإنترنت في سوريا منذ نشأته. وشهد أواخر العام 2005 دخول أول مزود خدمة إنترنت “خاص” لسوق الاتصالات، هو مزود “آية”. ومن ثم دخلت الشركات الخاصة مثل سوا، إلكم، إيزي ون، زاد نت كمزودات خدمة إنترنت خاصة.

تعمل هذه المزودات بحكم مذكرة تفاهم تجريبية تبرمها تلك الشركات مع المؤسسة العامة للاتصالات لتحصل من خلالها على حزمة أي نطاق وبوابات إلكترونية، تستثمرها كمزود خدمة إنترنت خاص. ووصل عدد مزودي هذه الخدمة لـ (تسع) شركات وقد يوحي وصف تلك الشركات بأنها مزودات خدمة “خاصة” بكونها مستقلة، إلا أن الحقيقة تؤكد عدم استقلاليتها. فتلك المزودات تعمل ضمن مفهوم تجارة الخدمات أي أنها تشتري الخدمة من مؤسسة الاتصالات لتضع لها ماركة تجارية ومن ثم تبيعها للمستهلك .

ترتب على السياسة السابقة أمران هامان: الأول أن جميع مزودات خدمة الإنترنت في سوريا (بما فيها الإنترنت عبر الهاتف المحمول) تمر بإتصالها بالشبكة الدولية عبر بوابتين حكوميتين هما بوابة الجمعية السورية للمعلوماتية وبوابة المؤسسة العامة للاتصالات، ولعبت السلطات دوراً أساسياً في مركزة البنى التحتية للإنترنت لتسهل الرقابة عليها. والثاني أن عدد المستخدمين آخذ في التزايد بشكل جنوني فيما لم يطرأ على البنية التحتية الخاصة بالإنترنت إلا تطور طفيف لا يذكر، بالنتيجة فإنه رغم الزيادة الظاهرية بعدد الشركات التي توزع الخدمة إلا أنها جميعها تستخدم البنى التحتية ذاتها. واليوم تخدم البنية التحتية المجهزة لخدمة مئتي ألف مستخدم فقط ما يفوق 17 ضعف طاقتها، الأمر مما يتسبب في تكرار انقطاع الإتصال بالإنترنت “الذي يتطلب عدة محاولات ووقت وصبر أيوب” . كما يتسبب في إختناقات كبيرة في الشبكة، وبطء في التحميل لدرجة أن ذلك بات أمرا مألوفا لدى مستخدمي الإنترنت في سوريا، مما يصعب معه إرسال أي بريد إلكتروني يفوق حجمه (1ميجابايت).

ترتبط سوريا بشبكة الإنترنت الدولية عبر قبرص، عن طريق كابل بحري طوله 239 كلم، بدأ بالعمل منذ 1995. وقدرة ذلك الكابل على التزويد محدودة للغاية، 622 ميغا بت/ الثانية. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2008 وقعت كل من مؤسسة الاتصالات السورية وهيئة الاتصالات القبرصية إتفاقاً يقضي بتطوير الكابل ورفع قدرة الإنترنت (عرض الحزمة)، إضافة إلى البدء بإعداد دراسة جدوى إقتصادية لإنشاء كابل جديد تحت البحر. إلا أن أي من هذه الإتفاقيات لم ينفذ بعد .

طرحت خدمة ADSL في سوريا منذ العام 2003 بأسعار خيالية، ورغم تخفيض الأسعار كثيرا منذ ذلك الوقت حتى اليوم، إلا أن انتشار الخدمة لا يزال محدوداً للغاية. يرجع ذلك إلى سببين: الأول هو عدم توفر البنى التحتية للازمة للخدمة في جميع المناطق. والثاني هو ارتفاع أسعارها الذي يبقى بعيداً عن متناول معظم السوريين حتى بعد تخفيض الأسعار. يكلف الاشتراك الشهري باتصال بسرعة 1 ميغا بت مبلغ 3400 ليرة سورية ، ما يقارب 70$ أميركي، في بلد لا يتعدى متوسط دخل الفرد فيه 200 $ أميركي.

بقي الاشتراك في خدمة ADSLغير متوفر لفترة طويلة لعدم توافر الخطوط المجهزة. ورغم الوعود التي أطلقها وزير الاتصالات السابق عن توفير مليون خط جديد بحلول عام 2007 عبر الشركة السوريةـ الألمانية (إضافة إلى 280 ألف اشتراك بالإنترنت اللاسلكي “الوايرلس”) ، لم ينفذ شيء من الوعود السابقة، وحصلت شركة “هواوي” الصينية مؤخراً على امتياز تجهيز 33 ألف خط ADSL فقط، وهو عدد لا يوازي الطلب على الخدمة.

أطلقت شركتا الهاتف المحمول في سوريا (سيريا تيل، أم تي أن) خدمة الإنترنت عبر الهاتف المحمول للجيل الثالث (3G) في أوائل 2009، إلا أن عدد المشتركين بالخدمة قليل للغاية، نظراً لغلاء أسعارها الفاحش (ألفي ليرة سورية أو ما يعادل 40$ أميركي للغيغا بايت الواحد).

الإنترنت الفضائي ممنوع قانوناً إلا باتجاه الاستقبال (والهدف هو حصر مرور جميع البيانات عبر البوابات الحكومية)، ويمكن الحصول على اتصال بالاتجاهين بعد الحصول على ترخيص قانوني وموافقة أمنية .

كما صعبت الحكومة إجراءات فتح المقاهي الإلكترونية، حيث يحتاج مالك المقهى إلى موافقة من المؤسسة السورية للاتصالات أولاً، ومن ثم موافقة أمنية من وزارة الداخلية. كما تفرض عليه الحصول على بيانات الزوار .

الحجب والرقابة

رقابة الحكومة السورية على الإنترنت أمر شائع ومعروف، كما أن حجب وفلترة المواقع الإلكترونية منتشر بشدة في سوريا، وقد وسعت الحكومة قائمة المواقع التي تقوم بحجبها منذ أواخر 2008 . وتعترف السلطات رسمياً بأنها تحجب المواقع الإلكترونية الإسرائيلية والمواقع الإسلامية المتشددة أو التابعة لجماعة الإخوان المسلمين والمواقع الكردية التي تنادي بحقوق قومية للأكراد . وتسبب ذلك الوضع في دفع معظم المستخدمين السوريين لممارسة رقابة ذاتية بشكل كبير لا تشمل الكتابة أو التعليق فقط بل تشمل زيارة المواقع المحجوبة .

تظهر نتائج الأبحاث التي أجرتها مبادرة الإنترنت المفتوح والتي نشرت في تقريرها السنوي الأخير في تموز/ يوليو 2009 أن المواقع التي تحتوي مواداً سياسية وأدوات للتحايل على الرقابة الحكومية أو للتصفح الآمن محجوبة بشكل كلي، في حين تحجب المواقع التي تتعامل مع موضوعات شائكة إجتماعياً أو أمنياً بشكل إنتقائي . وتفتقر إجراءات الحجب إلى الشفافية عموماً، ولا يوفر أي من مزودات الخدمة أية معلومات عن أعمال الحجب والفلترة التي يقوم بها.

يستخدم السوريون صفحات البروكسي الوسيطة وأدوات التحايل للوصول إلى المواقع المحجوبة، ويفضلون استخدام مقاهي الإنترنت للوصول إلى المواقع المحجوبة .

وتستخدم السلطات برمجيات تقدمها شركة كندية تدعى بلانتيوم انك لفرض رقابتها على الانترنت. يقوم البرنامج بإقتراح العناوين الإلكترونية لحجبها إعتماداً على قائمة من الكلمات الرئيسية التي تلقم للبرنامج يدوياً، ويقوم أيضاً بالتفتيش الدقيق للحزمة (deep packet inspection) الداخلة أو الخارجة إلى سوريا عبر البوابتين الحكوميتين، وهي المرحلة التي تتم بها فلترة وحجب المواد غير المرغوبة.

ومنذ عام 2005 انتهجيت الحكومة السورية سياسة دعم وتشجيع المواقع الإلكترونية التي تنشر مواداً موالية للحكومة، في محاولة لجعل الرواية الرسمية للأحداث أكثر رواجاً كون هذه المواقع تعتمد بشكل أساسي على أخبار وكالة الأنباء الرسمية السورية (سانا). ومن ضمنها سيريا نيوز، الجمل، صدى سوريا، وشام برس، لدرجة أن الوزراء والمسئولين الرسميين السوريين ينصحون الصحافيين الأجانب بزيارة مواقع من هذا النوع .

وفي 18 نوفمبر 2007 حجبت السلطات السورية موقع «فيس بوك» الشهير، وزعمت السلطات أن قرار الحجب، يرجع إلى استخدام إسرائيل للفيس بوك للتغلغل في المجتمع السوري. ولا تنفك الصحف الرسمية السورية من التهجم على الموقع والترويج للادعاءات بأنه “شبكة إسرائيلية” . بعد ذلك عمدت الحكومة إلى حجب أحد مواقع المدونات الأشهر عربيا في عام 2008 وهو “مدونات مكتوب”.

اتخذت سياسة حجب المواقع الالكترونية منحى تصاعديا منذ أواخر العام 2008، حيث تم حجب العديد من المواقع السورية والعربية والعالمية وفي مقدمتها مواقع دولية شهيرة تلقى إقبالاً واسعاً خاصة ضمن شرائح الشباب ومنها “youtube” “blogspot”،”amazon”،”skype” وغيرها، ليتجاوز عدد المواقع المحجوبة وفق إحصاءات المركز السوري لحرية الإعلام والتعبير 225 موقعا الكترونياً .

ولم تكتف السلطات بحجب المواقع عن المستخدمين، بل عمدت إلى إغلاق ما تمكنت من إغلاقه، عبر الضغط المباشر وتهديد مالكي هذه المواقع. ومن بين المواقع التي أغلقت نتيجة التهديدات، موقع “مرآة سوريا”، و”سيريا لايف” الذان تم إغلاقهما “طوعيا” في 2006، 2007 على التوالي .

أول قضية ضد حجب المواقع في سوريا

وبما أن إجراءات حجب المواقع دائما تفتقر إلى الشفافية، ولم يحدث أن حجب موقع إلكتروني واحد بقرار قضائي، وكون الجهة التي تصدر قرار الحجب مجهولة في الغالب، يغدو الطعن على قرار الحجب من قبل مالكي المواقع الإلكترونية أمراً مستحيلاً.

إلا أنه في 6 نوفمبر 2007 تقدم المحامي عبد الله العلي مدير ومالك موقع النزاهة الإلكتروني بقضية أمام محكمة القضاء الإداري في دمشق ضد وزير الاتصالات طالباً إلغاء قرار حجب موقع النزاهة. وبعدما تلقى المحامي العلي رداً رسمياً من وزارة الاتصالات حمل الرقم /42/11939 ح وجاء فيه: (موقع النزاهة محجوب بموجب توجيه الفرع 225 الوارد بالفاكس رقم 389 في 3/10/2007) ، اتضحت الجهة الحقيقية التي تقف وراء حجب المواقع الإلكترونية. حيث أن “الفرع 225” هو الفرع المسئول عن شبكة الاتصالات العسكرية والتابع لشعبة المخابرات العسكرية. وهو ما يعد أول اعتراف رسمي من جهة حكومية أن المخابرات هي الجهة الفعلية التي تقف وراء أعمال الرقابة والحجب في سوريا.

سجناء الانترنت في سوريا

ينص الدستور على حرية الرأي، ولا يوجد قانون خاص بالنشر على الإنترنت. لكن السلطات تستمر في اعتقال المستخدمين جراء النشر على الإنترنت. وتعتمد الحكومة في قمعها للحرية على الإنترنت على مجموعة من المواد المطاطة ضمن قانون العقوبات السوري . يفوق عدد المعتقلين بسبب التعبير عن الرأي على شبكة الإنترنت منذ دخول الإنترنت إلى سوريا العشرين معتقلاً . وهذا ما جعل لجنة حماية الصحافيين تصنف النظام السوري في المرتبة الثالثة في قائمة أسوأ عشرة أنظمة في العالم بخصوص إعتقال ومضايقة المدونين .

ويقبع في السجن في سوريا اليوم نحو 11 سجن إنترنت منهم :

7 مدونين معظمهم من الطلاب كانوا يشرفون على مدونة الدومري السوري، محكومون بالسجن لفترات تتراوح بين خمس وسبع سنوات ، المدون طارق بياسي ، محكوم بالسجن لثلاث سنوات. المدون كريم عربجي الذي حكم عليه بالسجن ثلاثة سنوات بتهمة نشر أخبار كاذبة. والكاتبان فراس سعد، محكوم بالسجن لأربع سنوات . وحبيب صالح، محكوم بالسحن لثلاث سنوات. والأخير يعتقل للمرة الثالثة اثنين منها بسبب نشر مقالات على الإنترنت .

في 27\2\2008 اعتقل الكاتب أسامة إدوار قريو لمدة تسعة أيام على خلفية مقال نشره على مدونته، وأطلق سراحه بعد أن أجبر على إغلاق المدونة . وفي مارس 2008 اعتقل الكاتب محمد بديع دك الباب وحكم بالسجن لمدة ستة أشهر بسبب نشره مقالاً على الإنترنت . وفي أغسطس 2008 اعتقل المحامي عبد الله العلي، مدير موقع النزاهة نيوز، لمدة 12 يوم بعد دعوى أقامها ضد وزارة الاتصالات يطالب فيها برفع الحجب عن موقعه، وأطلق سراحه بعد أن أجبر على إغلاق الموقع .

خصوصية وأمان مستخدمي الانترنت في سوريا

رغم أن المؤسسة السورية للاتصالات تعلن على صفحتها الرئيسية أن “الاتصالات وتقنية المعلومات سرية ولا يجوز لأحد الإطلاع على مضمونها إلا في الحالات التي تجيزها القوانين والأنظمة النافذة وبموجب طلب رسمي من المرجع المختص أصولاً” إلا أن ما يحدث مغاير لذلك تماماً فالخصوصية والتعليق باسم مجهول ممنوعين بأوامر من الأجهزة الأمنية والمسؤولين.

في 25/7/2007 أصدر وزير الاتصالات والتقنية الأسبق عمرو سالم قراراً بتكليف من مجلس الوزراء السوري يأمر فيه إدارة المواقع الإلكترونية بذكر: “اسم ناشر المقال والتعليق بشكل واضح ومفصل”. وفي حال عدم الالتزام بذلك يكون المسؤولون عن تلك المواقع تحت طائلة العقاب بمنع الوصول إلى الموقع مؤقتاً وفي حال تكرار المخالفة يكون العقاب عدم الوصول إلى الموقع نهائياً. وفي 18\9\2007 نفذت الوزارة تهديداتها و”عاقبت” موقع “داماس بوست” الإخباري وحجبته لمدة 24 ساعة .

مقاهي الإنترنت

في مارس 2008 أبلغت عناصر من الأجهزة الأمنية أصحاب مقاهي الانترنت شفهياً ضرورة تسجيل البيانات الشخصية لمستخدمي الانترنت في محلاتهم والاحتفاظ بسجل يومي يتضمن اسم المستخدم الثلاثي واسم والدته ورقم الهوية الشخصية أو جواز السفر ورقم الجهاز الذي يستخدمه وساعة حضوره إلى المقهى وساعة مغادرته. وإلزام أصحاب المقاهي تسليم هذا السجل إلى مندوبي الأجهزة الأمنية عند حضورهم .

حالات اعتقال المستخدمين من داخل مقاهي الإنترنت ليست غريبة في سوريا، وتجبر الأجهزة الأمنية أصحاب المقاهي على التجسس على المستخدمين والإبلاغ عنهم في حال تصفحهم لمواد تعتبرها السلطات غير مرغوبة. ففي أواخر عام 2006 اعتقل عهد الهندي مع أحد أقربائه من داخل مقهى إنترنت في العاصمة دمشق وأطلق سراحهما بعد شهر تقريباً ، وفي فبراير 2009 اعتقل محي الدين عيسو مراسل موقع منصات من داخل مقهى إنترنت في محافظة حمص وأطلق سراحه بعد عدة ساعات.

 الشخصيات الورادة في هذا الحوار هي من محض الخيال ولا تمت للواقع بصلة

المكان: سوريا….الله حاميها.

الزمان: ليلة أمس.

الأب: محرر في صحيفة تشرين، صحافي يعني بلا زغرة، الله يعين العالم.

الأم: ربة منزل، لت وعجن وحكي فاضي.

الأبناء: خريجي جامعات عاطلين عن العمل، يقضون معظم أوقاتهم على الإنترنت، أنشئوا حسابات على الفايس بوك، يعبوا وقتهم فيها، شقيقين: زيد وعمرو.

المشهد الأول:

زيد: لك مين هاي البنت اللي حاطط صورتها على الفايس بوك؟

عمرو: شفت شفت ملا شقفة؟ما راح قلك مين هاي، بعدها جديدة معلم، ما زبطت لسا!.

زيد: لك قلي إسمها بس، شو راح آكلها؟

عمرو: لا حبيبي، بكرة بتروح تعلمها آد، أنا خصوصي ما علملتها “Tag” كرمالك، بكرة بتضيفها عندك أنت ورفقاتك وبتنفضح البنت.

زيد: بدك تقلي هلأ مين هاي…

عمرو: ما حزرت… كسر راسك، ما راح قلك.

الأب داخلاً إلى المنزل مقطوع نفسه لأن المصعد عطلان: لك شوفي أصواتكن واصلة لأسفل البناية، لك فهموني شو عم بصير.

الأم: ما في شي تقبرني، متقاتلين على بنت على الفايس بوك.

الأب: شو؟ بنت على الفايس بوك؟؟ لك يخرب بيتك وبيته، لك أنتوا بلا شرف، بلا ضمير، يا عيب الشوم عليكن، لك ضيعان الترباية فيكن، لك تفوووو عليك وعليه.

الأب: تعا لشوف أنت وإياه، الفايس بوك الليلة بيوقف، سمعانين؟

زيد وعمرو: لك والله البنت رفيقة بس، لا يروح فكرك لبعيد.

الأب: لك مو مشان البنت، تنفلقوا إنتوا وإياها، مشان المصيبة التانية.

زيد وعمرو: لأ بابا هي بنت وحدة.

الأب: عارف هي بهيمة وحدة، عم بحكي على المصيبة الكبيرة.

زيد وعمرو: مين ماما؟؟ إطمئن، عرفت وما حكيت شي.

الأب: مو أمك، تضرب منك إله شو بلا ترباية، عم إحكي عن الفايس بوك، شو الظاهر مالكن خبر يا حضرات، ما بتقروا شو بيكتب اللي بزركن بالجريدة.

زيد وعمرو: خير بابا، شوبه الفايس بوك؟ فرضوا عليه رسوم؟؟ لا تقلي صار بدنا ندفع؟ والله كنا عارفين هيك من الأول.

الأب: لك مو هيك، الموقع ممنوع، شو ما بتعرف أنت وإياه.

زيد وعمرو: ممنوع، ضحكتني، ليش شو مو ممنوع عنا. عنا كل شي ممنوع، ممنوع على المساكين، هون المخ عندك بيعرف كيف يفوت على مواقع محجوبة، ولا يهمك أبو زيد.

الأب: لك مو بس محجوب، الموقع حسب ما وصلتنا معلومات، صاير شبكة لتجنيد عملاء لإسرائيل، للعدو الصهيوني يعني، لك خوذ أنت وإياه، تفضلوا أقروا شو كاتب اللي خلفكن اليوم الصبح.

زيد وعمرو يقرآن المقال على الرابط التالي:

http://www.tishreen.news.sy/tishreen/public/read/171576

تضليل

زيد: إيه حط بالخرج أبو زيد، هدول الصحافيين علاكين وكثيرين غلبة، خصوصاً تبعون تشرين، بحياتكن ما كتبوا شي بطعمة.

عمرو: لك هس يخرب بيتك، شو هالحكي، لك مو عيب تقول…

زيد مقاطعاً: لأ مو عيب، حدا منهن كتب عني أنا خريج الهندسة من 3 سنين وقاعد بالبيت، أو عن حضرة جنابك خريج أدب عربي، قاعد تعلم أولاد الجيران. هدول الصحافيين بلا طعمة..شي حمير أجلك.

عمرو: لك هاي أبوك كاتبها، يخرب بيتك، سكوت، هلأ بصادر الكمبيوتر كله مشان حضرتك تحكي.

الأب: إحم… من بكرة بتوقفوا لي حساباتكن على الفايس بوك، سمعانين؟ العالم عم تندبح بغزة، والله مو ناقصكن إلا تفوتوا على مواقع إسرائيلية.

زيد: بابا الموقع مو إسرائيلي، بس هون بقولوا عنه هيك، بيكرهوه.

الأب: شو تفضلت حضرة جنابك، بيكرهوه، وليش لحتى يكرهوه؟.

زيد: يمكن غيرة، هون بغاروا من كل شي ناجح، يمكن بفكروا مثلاً ليش السيد الرئيس مو هو اللي صممه، مو هو كان رئيس الجميعة المعلوماتية قبل ما يصير رئيس، وقتها ما كان الفايس بوك طالع لسا، ليش ما صممه هو؟.

عمرو: لك هاد شو فهمه، حطه على خطابات ووعود وحكي، هاد بده يصمم.

الأم: يا أمي الله يرضى عليك بلا هالحكي، لك إذا حدا سمعك بتخربلنا بيتنا، لك بتضر حالك وبتضر أخوك وأبوك، والله اما بتعودوا تتوظفوا بألف سنة.

زيد: إنوا يعني نحنا هلأ موظفين؟ الشغل مقتل بعضه؟

الأم: لك يا أمي الله كريم، والله إذا حدا سمعك كل العيلة ما بتعود تتوظف، إذا ما طردوا أبوك من شغله، مو بس نحنا، لك حتى الجيران ما بيعودوا يلاقوا شغل.

عمرو: أحسن، الله لا يقيمهن، هاي بنت الجيران عم حاكيها ما بترد علي، خليها، بركي بيتهموا أبوها بـ وهن نفسية الأمة يا رب.

زيد: طيب يلا سكر تمك وبلا كتر غلبة.

عمرو: تمي حسكروا، بس حساب الفايس بوك ما راح سكروا، بعدنا ما زبطنا المخلوقة، يا لطيف من عينك…

ليلاً في غرفة نوم الولدين:

عمرو: زيد، راح تسكر حسابك على الفايس بوك؟.

زيد: إيه، ما سمعت أبوك شو قال.

عمرو: لك يقول، شو بدي  أعمله، اصلاً هو شو راح يعرفه إذا الحساب بعده ماشي.

زيد: لأ، لازم تكون صادق مع أبوك.

عمرو: والله؟ شو صاير مطيع، شو بعمل إذا أبوك ساذج.

زيد: عيب تقول عن أبوك هيك.

عمرو: هيك ونص، لك أبوك حمار، لسا في حدا بصدق الحكي اللي بتقوله الحكومة، دخلك منين طالع بهاي المعلومات تبع السي آي إيه والموساد.

زيد: بكون قريان شي تقرير بالأجنبي وناقلهن منه.

عمرو: لاه؟ لا يكون عنده مصادره بالسي آي إيه والموساد مثل الصحافيين الكبار، قال قريان تقرير بالأجنبي، ليش هو بيعرف يقرا أجنبي، لك نام نام إنت التاني، هاي الحمرنة اللي عندك وراثة، هلأ تأكدت.

سهر زيد طول الليل، يبحبش على الإنترنت.

الصباح:

الأب: شو بابا سكرتوا حساباتكن على الفايس بوك.

عمرو، لأ بابا، ما بصير باليل، الموقع بسكر باليل!!!

الأب، طيب سكروهن هلأ يلا، الله يرضى عليكن.

عمرو: أنا ما راح سكر حسابي، لك مين عرفان فينا.

الأب: لك يا بابا مو حلوة بحقك، مشارك بموقع بديروه الإسرائيليين، يا بابا نحنا بلد العروبة والممانعة، يا بابا نحنا آخر معاقل العروبة، ستبقى سوريا قلعة الصمود والتص….

الأم: أبو زيد، أبو زيد، أنت بالبيت حبيبي، مانك بالجريدة.

الأب: بالبيت بالجريدة بدك تسكر الحساب، لك ما قريت مبارح شو كاتب أنا؟؟

عمرو: قريت، مشان هيك ما راح سكره، حكي جرايد.

الأب: ولاه، عم تكذبني، لك أنا ما بكتب غير المعلومات الموثوقة، لك الجريدة كلها هيك ما بتنشر إلا أخبار موثوقة، أنت واحد بلا ترباية…

عمرو: لك حاج تعيط يا زلمة، ما بتكتب إلا الموثوق، هاي مو مقالتك كمان؟؟؟ تطلع فيها منيح:

الاب وعمر يقرآن المقال على الرابط التالي:

http://www.tishreen.news.sy/tishreen/public/read/119934

فضح

الأب: منين جبتا هاي ولاه؟ عم تلعب بأرشيفي؟

عمرو: حاجتك أرشيف يا زلمة، الجريدة أون لاين بابا، المعلومات ما عادت تتخبا.

الأب: هاد الموضوع قديم، من شي سنة.

عمرو: إيه، من سنة كان الموقع عروبي، وهلأ صار للعدو الصهيوني؟ شو؟؟ جاوب بابا، هاي مو مقالتك كمان، دافع عنها، إنتا ما بتكتب إلا الموثوق.

سكون قصير، تنفر دمعة من عين الأب ويبدأ بالكلام: والله ما بعرف شو قلك يا بابا، هيك بقولوا لنا اكتبوا، بيجي واحد من الشباب معه تعميم من الأمن وبوزعوا علينا، مبارح إجا الشاب وقال عيد ميلاد الفايس بوك الخامس كان أمس، لازم نكتب على الموقع شي سلبي، وأعطاني هاي الورقة تبع التقرير القرنسي.

لك كل الموظفين الشباب والبنات بالجريدة عندهن فايس بوك. بس شو بدنا نعمل يا بابا، حكم القوي على الضعيف….سامحني يا بابا، وخبر رفقاتك على الفايس بوك أن الموضوع مو أكيد، فلا يسكروا حساباتهن.

زيد: بتعرف شو، قعود وشوف..

أنشأ زيد مجموعة على الفايس بوك “مجموعة أبو زيد”، نشر فيها المقال القديم، وشرح للناس موقف أبو زيد، وكيف تملى المعلومات عليه.

بعد يومين ظهراً: عدد أعضاء المجموعة تجاوز الألف.

بعد أسبوع: عدد أعضاء المجموعة تجاوز الخمسة آلاف.

بعد 10 أيام قرع الباب: إنت أبو زيد.

أبو زيد: نعم أنا، خير، أنتوا مين….

الشباب: نحنا من اعضاء المجموعة تبعك يا عميل يا موساد، إمشي لشوف لتعرف نحنا مين….!!!

إيييييييه….

الله يرحمك يا أبو زيد شو كنت منيح….

في بلادي، الجهورية العربية السورية كما يطلق عليها رسمياً، وسوريا الحبيبة كما أعرفها وأعشقها، وسوريا الأسد (نسبة لمن اختار الله أن يبتلي به الشعب السوري)، كل شيء محجوب.

الكلام ممنوع، الكتابة ممنوعة، الصحافة جريمة (إلا من رحم جهاز أمن الدولة)، حتى العويل والبكاء والندب ممنوع (تم منع أهالي سجناء صيدنايا من التجمع في الشارع لأن النساء يبيكن ويصرخن ويولولن بأصوات عاليه)، بلا فضايح يعني….

سوريا الله حاميها، والإنترنت وجد من يحميه، أو يحمي الناس من شره، أشخاص أتوا من المريخ، أقاموا عندنا وأطلقوا على أنفسهم إسم مسؤولين، تولوا مهمة مراقبة ما يكتب ويقال، تولوا مهمة عد أنفاس الناس، يتدخلون بكل شيء، يدخلون بين المرء وزوجه.

والمواطن السوري الذي يلج شبكة الإنترنت مسكين، ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، حارسان (أو أكثر والله أعلم) أحدهما مهتم بـ “نفسية الأمة” والآخر مهتم بـ “الشعور القومي” والدفتر معهما، وفهمكم كفاية.

raye7wmishraj3

بالأمس أخبرني أحد الأصدقاء بأن مدونتي رايح ومش راجع أضيفت لقائمة المدونات والمواقع السورية المحجوبة، وأصبح يتعذر على زوراها متابعتها، رغم قلة نشاطها وتواضع عدد زائريها… ومنذ أيام أيضاً حجبت السلطات مدونة المرفأ للصديق عمر مشوح، وأضيفت المدونة أيضاً للقائمة السوداء.

لا يدري المرء ما يقول هنا، ولم أفهم  حتى اللحظة خطورة هذه المدونات لتحجب بهذه الطريقة، هل يجب أن أحزن وأندب؟ أم يجب أن أفرح على حد تعبير أحد أصدقائي: “أيامك، أول مدونة تحجب على ووردبرس في سوريا هي مدونتك، مين قدك يا عمي؟”.

ألا يعلم القائمون على الحجب، والقيمون على القائمين من ورائهم، أن إستبدال لينك المدونة يقارب بسهولته كتابة تدوينة. لا أدري إن كانوا يعلمون.

آه يا وطني….

ممنوع من السفر…ممنوع من الكلام… ممنوع من الغنا…. ممنوع من الإستياء….ممنوع من الإشتياق….وكل يوم في حبك تزيد الممنوعات….وكل يوم حأحبك أكثر من اللي فات….

آه، نسيت، ممنوع من التدوين ومن الإنترنت….

عشنا وشفنا..


المشاكل التي تواجه مستخدمي الإنترنت عموماً

بدأ السوريون بالحصول على خدمة الإنترنت في العام 2000 ، وبدأت الجمعية المعلوماتية السورية بتقديم الخدمة بدايةً لشرائح معينة دون أخرى كان لها أولوية على الباقين (الأطباء والمهندسين والمحامين). وبعد عام تقريباً بدأت المؤسسة السورية للإتصالات (مؤسسة حكومية ثانية) تقديم الخدمة للمواطنين عامة، وكان على السوريين الذين يودون الإشتراك إحضار صورة عن بطاقة الهوية ونسخة مطبوعة من استمارة طلب الإشتراك إلى مركز خدمة الزبائن، وتوجب عليهم ملء بيانات الإسم وإسمي الوالدين والجنسية ورقم الهوية الذي تصدرها الحكومة وتاريخ ومحل الميلاد والمهنة واسم المستخدم وكلمة السر.

ومثلت التكلفة الباهظة للخدمة أحد أهم العوائق التي وقفت في وجه إنتشارها. لكن وعلى الرغم من هذه العوائق فقد ارتفع عدد المستخدمين في سوريا سريعاً، إذ أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها الذي صدر عام 2005  أن عدد المستخدمين السوريين كان يقدر وقتها بأكثرمن 500 ألف مستخدم.

في حين تقدر مجموعة الإستشاريين العرب، وهي بيت خبرة إستشاري تجاري مركزه عمان، أن يرتفع عدد مستخدمي الإنترنت السوريين بنسبة 24.9% بين عامي 2004  و2009، لتفوق نسبة المسستخدمين عام 2009 الـ 10% بعد أن كانت تقدر بأقل من 1% عام 2004.

لكن عوائقاً مصطنعة وعراقيل مقصودة زرعت في وجه الخدمة الوليدة كانت كفيلة بتقييدها ومحاولة الحد من إنتشارها، أو العمل على إنتشارها وفق منهجية تفرغها من مضمونها، الأمر الذي حدا بمنظمة هيومن رايتس ووتش أن تعنون التقرير المذكور سابقاً بعنوان : الحرية الزائفة.

بدأت السلطات الإعتماد على مجموعة من القوانين المقيّدة والتدابير غير القانونية لقمع حق السوريين في الوصول إلى المعلومات ونشرها بحرية على الإنترنت. بدأت بالرقابة ومتابعة الرسائل الإلكترونية وصولاً إلى حجب المواقع وإلقاء القبض على مستخدمي الإنترنت والمدونين ومقاضاتهم؛ رقابة فرضتها أنظمة تخشى من مواطنيها معرفة الحقيقة الكاملة، أو على الأقل الصورة المعاكسة لما يصدرها إعلامها الرسمي، فلجأت إلى قتل المعلومة عن طريق حجبها عن بقية شرائح المجتمع، بهدف تحويل الحياة الافتراضية الالكترونية للسوريين إلى حياة تشبه حياتهم الواقعية؛ حياة يلفها العزلة والصمت والعيش على الهامش. وخلقت لهذا الغرض أنظمة مراقبة دقيقة وفعّالة في مواجهة هذا المد الهائل من المعلومات.

فمنذ اللحظة الأولى لم يكن أمام المواطن سوى استخدام خدمات البريد الإلكتروني التى تقدمها شركات التزويد المحلية والتي يسهل رقابتها فالسلطات السورية حجبت الوصول إلى مواقع خدمات البريد الالكتروني المجانية الشهيرة مثل Yahoo أو Hotmail أو Maktoob وغيرها ولم ترفع الرقابة عنها حتى العام 2004 الأمر الذى أرجعه أحد الخبراء إلى احتمال حصول السلطات على تجهيزات ومعدات أمنية جديدة تتيح لها رقابة البريد المتداول عبر هذه الخدمات أيضاً.

ومسألة الحجب والتعطيل هذه لا تأتي بالمصادفة، فالخطة الحكومية الخمسية العاشرة في فصل مخصص للإعلام وتحت عنوان «العوائق والمخاطر» ورد ما يلي حرفياً “أهم وأخطر ما نواجهه هو ما يسمى بالعولمة الإعلامية كأحد مظاهر النظام العالمي الجديد والتي دعت إليها وسائل الإعلام باستمرار ومن بينها الشبكة العنكبوتية، الإنترنت التي تبث من دون حسيب أو رقيب..!”

وفي شهر تشرين الثاني 2005 اعتبرت منظمة مراسلون بلا حدود السلطات السورية واحدة من أشرس خمسة عشر عدواً لشبكة الإنترنت على مستوى العالم. في حين صنفت منظمة Article19 سوريا ضمن الأنظمة العشرة الأكثر عداءاً للإنترنيت، وتقيداً لاستخدامها في العالم.

وأوردت دراسة أوبن نت (مبادرة الإنترنت المفتوح) التي جاءت نتيجة شراكة بين جامعات اوكسفورد وكامبريدج البريطانيتين وهارفرد الاميركية وتورونتو الكندية، ان حكومات في آسيا والشرق الاوسط وشمال افريقيا تمنع مواطنيها من الوصول الى معلومات تعتبر حساسة في هذه الدول وتتعلق بالسياسة والثقافة والجنس والدين.

وقالت الدراسة التي وضعت خلال عام 2006 ان “الطريقة التي تحصل فيها الرقابة تزداد تطوراً مع تطور أدوات الانترنت”. وأن ست دول تركز خصوصاً على الرقابة السياسية على الإنترنت كانت سوريا بينها. (بورما والصين وايران وسوريا وتونس وفيتنام).

وحجبت السلطات منذ منتصف 2006 عشرات؛ لا بل بل مئات المواقع ذات الإستخدام الواسع حيث يتم الحجب من قبل المؤسسة السورية للإتصالات بناء على طلب المخابرات.

وفي 18 تشرين الثاني 2007 حجبت السلطات السورية موقع «فايس بوك» الشهير.

وفي 1\7\2007 أبلغت عناصر من الأجهزة الأمنية أصحاب مقاهي الانترنت شفهياً ضرورة تسجيل البيانات الشخصية لمستخدمي الانترنت في محلاتهم والاحتفاظ بسجل يومي يتضمن اسم المستخدم الثلاثي واسم والدته ورقم الهوية الشخصية أو جواز السفر ورقم الجهاز الذي يستخدمه وساعة حضوره إلى المقهى وساعة مغادرته. وإلزام أصحاب المقاهي تسليم هذا السجل إلى مندوبي الأجهزة الأمنية عند حضورهم.

ومنذ أيام كتب الناشط خالد الإختيار مقالاً يصف فيه الإنترنت في سوريا بأنه “على الهوية”، يتساءل فيه عن التشدد المفاجئ في التعاطي مع مقاهي الانترنت المحلية, والذي وصل حد تعليق رخص بعضها وإغلاقها في قلب العاصمة دمشق, والتضييق على رواد تلك المقاهي من خلال إلزام أصحاب (الكافيات) الطلب إلى زبائنهم كلما أرادوا الولوج إلى الشبكة الدولية إبراز هوياتهم أو جوازات سفرهم, وإتباع ذلك بتسجيل الأسماء, والأرقام, والمعلومات الشخصية الأخرى, وحفظها في جداول خاصة لإبرازها (عند الطلب)؟!.

d8a7d984d8a5d986d8aad8b1d986d8aa-d981d98a-d8b3d988d8b1d98ad8a7-d8b9d984d989-d8a7d984d987d988d98ad8a9 الصورة مأخوذة من موقع منصات

وفي سياق هذه السياسات المنهجية بهدف القضاء على الخصوصية التفاعلية وعلى مساحة الحرية التي يوفرها الإعلام الالكتروني أصدر وزير الاتصالات والتقانة الأسبق عمرو سالم بتكليف من مجلس الوزراء السوري قراراً بتاريخ 25/7/2007  يأمر فيه إدارة المواقع الإلكترونية بذكر: “اسم ناشر المقال والتعليق بشكل واضح ومفصل تحت طائلة إنذار صاحب الموقع ومن ثم عدم النفاذ إلى الموقع مؤقتاً وفي حال تكرار وقوع المخالفة عدم النفاذ إلى الموقع نهائياً”.

وفي 18\9\2007 نفذت الوزارة تهديداتها و”عاقبت” موقع “داماس بوست” الإخباري وحجبته لمدة 24 ساعة.

وفي آذار 2008 كتب المدون نهاد الشامي على مدونته (سوري يا نيالي) خبراً مفاده أن السلطات السورية حجبت مدونات مكتوب في سورية وقد تعذر على المدونين السوريين داخل سوريا على موقع مكتوب، البالغ عددهم أكثر من ثلاثة آلاف مدون الوصول إلى صفحات مدوناتهم.

d8a2d98ad8a9

وفي آب الماضي قامت السلطات السورية بحجب موسوعة ويكيبيديا (Wikipedia) بنسختها العربية على جميع مزودات الخدمة في البلاد، ليفقد السوريون مصدراً إضافياً من مصادر المعرفة والمعلومات.

ولم تكتف السلطات بحجب المواقع عن المرتادين، بل عمدت إلى إغلاق ما تمكنت من إغلاقه، ففي نيسان 2006 توقف موقع مرآة سوريا عن العمل “طوعياً” بعد ضغوط مورست على رئيس تحريره ليفاجأ زوار الموقع بالرسالة التالية:

1

الأمر ذاته فعله موقع سيريا لايف في عام 2007 إذ أجبر الموقع على الإغلاق طوعاً، ووجد زواره الرسالة التالية على صفحته الرئيسية:

2

وفي مطلع آب الماضي تم اعتقال المحامي عبد الله العلي، مدير موقع النزاهة نيوز، لمدة 12 يوم، والموقع المذكور هو موقع قانوني بحت ويشرف عليه عدد من المحامين والقضاة الشباب، وأطلق سراحه لنفاجأ باليوم التالي بإعلان إغلاق الموقع، تبين أن المحامي العلي خيّر بين الإحالة للمحاكمة أو إغلاق الموقع فاختار إغلاق الموقع:

d8a7d984d986d8b2d8a7d987d8a9

قبل اعتقال المحامي العلي أقام الأخير دعوى قضائية هي الأولى من نوعها في سوريا ضد وزارة الإتصالات (والثانية في الوطن العربي بعد دعوى شبيهة أقيمت في مصر) بسبب حجب موقع النزاهة الذي يملكه ويديره، وبعدما فشلت جهوده لرفع الحجب عمد إلى تغيير الموقع وانتقل إلى أخبار النزاهة بدلاً من النزاهة، لكن الملفت في هذه الدعوى أن وزارة الإتصالات ردت عبر محاميها على مجلس الدولة (المحكمة الإدارية) أن الوزارة  ليست هي صاحبة القرار بالحجب أو من يقوم به، وإنما يتم عن طريق أجهزة المخابرات، ويعد هذا أول اعتراف رسمي من جهة حكومية أن المخابرات هي من يقوم بالرقابة والحجب.

واتخذت سياسة حجب المواقع الالكترونية من قبل الحكومة السورية منحى تصاعديا منذ أواخر العام الماضي، فشهد مستخدمو الانترنت داخل سوريا حجب العديد من المواقع السورية والعربية والعالمية، من سياسية واجتماعية وثقافية  يستوي فيها التدويني الشخصي بالإباحي بالخدمي بالإخباري.  وفي مقدمتها مواقع دولية شهيرة تلقى إقبالا واسعا, خاصة ضمن شرائح الشباب, وعلى رأسها مواقع (facebook)، و(youtube) و(blogspot)، و(wikipedia),و(amazon) و(skype) وغيرها, ليتجاوز عدد هذه المواقع وفق إحصاءات أحد المراكز السورية المختصة حوالي 170 موقعا الكترونياً.

ناهيك عن التحضيرات الموازية الجارية على”قلم” وساق في وزارة الإعلام السورية لإصدار طبعة جديدة من قانون المطبوعات والنشر تأخذ في (عين الاعتبار) تقنين الشهية المفتوحة للسوريين للتعبير الكترونيا!

بداية ظهور التدوين عموماً

في عام 2004 كان هناك 4 مدونات تعلن أنها مدونات سورية، ومع ظهور مواقع عالمية تقدم خدمة التدوين باللغة العربية بدأت تزداد شيئاً فشيئاً ولكن بشكل بطيء إلى أن حدثت الزيادة المطردة في عدد المدونات السورية مع عام 2008..

قصة النمو المطرد يردها المدون السوري  ناثين جوزف صاحب مدونة “مـداد” إلى تزايد مقاهي الانترنت الذي أتاح فرصة أكبر للشباب السوري لاستخدام الانترنت استخدامات متنوعة ومنها المشاركة في منتديات النقاش الالكترونية. ومع تزايد الضغوط حتى على المنتديات بداية عام 2008 بدأ الشباب يبحثون عن مساحة أوسع من المنتديات للتعبير عن أفكارهم وليكون لهم لونهم الخاص فحصل ما يشبه الهجرة من المنتديات إلى المدونات الشخصية.

هناك شبه إجماع بأن ظاهرة التدوين مازالت محدودة في المجتمع السوري عموماً، فعدد المدونات السورية قليل ولم يتخط المئات مقارنة  مع المدونات الأردنية مثلاً..

يرى عميد المدونين السوريين، المدون عمر مشوح صاحب مدونة المرفاً، مؤسس ومدير تجمع المدونات السورية (المدون) أنه في هذه السنة زاد عدد المدونين وانتشرت ثقافة التدوين وأصبح هناك وعي لدى مستخدمي الانترنت بأهمية التدوين وفوائده.

فيما يرى مدونون آخرون أن الكثيرين من المدونين السوريين يعبرون عن أفكارهم دون الالتزام بخطوط حمراء، وساعد التدوين أيضاً على ظهور كتّاب شباب لديهم مواهب متعددة على مستويات مختلفة لم يتح لها الظهور على أرض الواقع ومازالت تتخبط في حيطان الشبكة الالكترونية الافتراضية على أمل أن تمد رأسها للواقع فيراها الجميع. ويعتقد البعض أن أهم ما استطاع التدوين أن يحققه هو قدرته على إثبات وجوده وفعاليته خلال فترة قصيرة للغاية.

ومع هذا التفاؤل الكبير يعترف الجميع أن الحدود بين المجتمع الافتراضي على الشبكة العنكبوتية، وبين الحياة الواقعية، ما تزال مزروعة بالألغام..لكن وفقاً لتعبير مدون سوري فإن ما يجعل “المدونات” في سورية قضية مثيرة الجدل، أنها ولدت لتردم الهوة التي عجز فيها الإعلام المطبوع والمسموع والمرئي وحتى الالكتروني عن تقبل الجيل الشاب ورأيه في الحياة.

وتتنوع اهتمامات المدونات السورية ما بين التقنية والسياسية والثقافية والتسلية والاجتماعية، ولكنها بالمجمل تركز على هموم الوطن والمواطن، ويعتبر ذلك” دليل وعي وثقافة المدون السوري”، ويرى مدونون آخرون أنه التدوين بديل للإعلام لكنه بديل لا يمكن لأحد احتكاره أو السيطرة عليه.

كيف يقرأ المدونون السوريون ما يقومون به، هل يعتبرون أنفسهم مؤثرين مثلاً؟؟

استشهد هنا برأي المدون عمر مشوح، إذ يقول :”إلى هذه اللحظة لم نخض مغامرة حشد الرأي العام لقضية ما أو مناصرة موضوع ما، حتى أحكم على هذه النقطة بالفشل أو النجاح، لكننا خضنا تجربة بسيطة مع بعض المدونين في مناصرة قضية ما، وحقيقة كانت النتائج رائعة جداً وتم حشد رأي عام ونشر للقضية بشكل كبير. مما يعني أننا نملك وسيلة لا غنى عنها في معارك المجتمع المدني”.

أسبوع التدوين الدمشقي.. مبادرة تدوينية جماعية

وهي فكرة أطلقها المدون ناثين جوزيف بهدف مشاركة مجتمع المدونين السوريين في فعاليات دمشق عاصمة للثقافة العربية 2008، وكان الأسبوع من 9 إلى 15 آب تحت عنوان (لندوّن من أجل دمشق 2008)، تلك المبادرة التي يصفها ناثين بـ “الخطوة الأولى لجمع الشتات التدويني وتوجيه دفته باتجاه واحد. إذ جمعت أكثر من خمسين مدونة سورية وعدة مدونات عربية. إن بالمشاركة بتدوينة خاصة عن الأسبوع أو وضع اللوغو الخاص بها على صفحاتهم”.

ويرى ناثين أن أسبوع التدوين الدمشقي أثبت بأن المدونين السوريين -على الرغم من شحّ أعدادهم وقلة مدوناتهم-قادرون على الاجتماع حول مسلّمات لا خلاف فيها أو دعم قضية ما رغم اختلاف الإيديولوجيات والآراء والأفكار.

التجمعات التدوينية:

ظهر في الفترة الأخيرة على شبكة الانترنت ما يعرف بتجمعات للمدونات السورية، وهو بالطبع تقليد متبع في معظم دول العالم التي تنتشر فيها ظاهرة التدوين على الانترنت. وتهدف إلى تركيز دفق التدوينات في مكان واحد ليسهل الإطلاع عليها ومتابعتها، إذ يصعب على المتصفح أن يزور آلاف المدونات لكي يطلع على جديدها أو ما تقدمه، فتأتي التجمعات لتسد هذه الثغرة وتوفر إمكانية الإطلاع والمتابعة بكل سهولة ويسر. ويقول عمر مشوح مدير ومؤسس تجمع “المدون: “من أهم أهداف وغايات مثل هذه التجمعات هو التكتل وراء قضية ما ومناصرتها والتدوين لأجلها وترويجها افتراضياً وواقعياً. فمثل هذه التجمعات هي أهم وسيلة لحشد الرأي العام حول قضية ما سواء إنسانية أو اجتماعية أو سياسية. فعندما يكون لديك هذا التجمع الكبير من المدونين فإن حشد الرأي العام وتسويق الفكرة أو القضية يكون أمراً سهلاً وفعالاً في نفس الوقت.

تأثيرات المدونات كبيرة جدا إذا تم تفعيلها ونشر ثقافتها في المجتمع، فالمدونات بدأت تنقل أحداثا اجتماعية أو سياسية لا ينقلها الإعلام الرسمي ، أو قل بصيغة أخرى أصبحت صوت الشعب المقهور والمظلوم . ولذلك تأثر المجتمع ، وأصبح المدونون يشعرون بقوة تأثيرهم في محيطهم .لذلك لو تكاثرت هذه المدونات المؤثرة لكان هناك تغيرا كبيرا في المجتمعات ولأصبح المجتمع قويا لقوة تأثير هذه المدونات .

مواقف كثيرة يظهر فيها تأثير المدونات، مثل الحملات الإلكترونية في مساندة قضايا حقوق الإنسان والمجتمع المدني ، مثلا قمنا نحن المدونون السوريون بحملة إلكترونية للدفاع عن المدون السوري طارق بياسي وذلك لأن السلطات اعتقلته بسبب كلمات كتبها في أحد المنتديات، وتحركت معنا لجان حقوق الإنسان والمجتمع المدني ومراسلون بلا حدود وغيرهم الكثير ، رغم أنهم لم يكونوا يعرفون عن القضية شيئاً! لكن تدوينة واحدة عن الموضوع حركت كل هذه الجماهير والتجمعات . صحيح أننا لم نستطيع تغيير الحكم أو الواقع ، لكن اسمه أصبح رمزا للحرية وعرف الجميع بقصته وتحرك الجميع لنصرته .

ومن الناحية الواقعية (أي على الأرض) تكمن الصعوبة في التقاء المدونين وجهاً لوجه لأسباب كثيرة أهمها المساحة الجغرافية التي تفصل المدونين عن بعضهم البعض، كما أن اختلاف المشارب الفكرية والثقافية (قد) يكون عاملاً من عوامل عدم تحقق هذا التجمع على الأرض”.

فإذاً نحن أمام مجتمع متكامل يأخذ حيزه على الشبكة العنكبوتية ويسعى إلى تحديد ملامح حقيقية لوجوده على اختلاف اتجاهات ومرجعيات أصحاب هذه المدونات.

التحديات التي تواجه المدونين  والعوائق  التي تقف بوجه توسع الظاهرة

لعل حجب المدونات الإلكترونية أمر أكثر خطورة اليوم من حجب مواقع الصحف البارزة، وتعرضت المدونات في سوريا للحجب، ولعل أول مدونة سورية تم حجبها هي مدونة الدومري السوري على بلوغ سبوت، ولاحقاً حجبت مدونات بلوغ سبوت جميعها، يعني أن أكثر من 100 مليون مدونة بمئات اللغات محجوبة، لاحقاً حجبت مدونات مكتوب، ثم تلتها مدونات كاتب.

لم يتوقف الأمر عند الحجب والإغلاق، بل أصبح تخريب المواقع إلكترونياً أمر مألوف، فتم تخريب موقع المشهد السوري قبل إنطلاقه بأيام.

وأخطر ما يواجهه المدونون هو الإعتقال وإنزال أحكام قاسية بحقهم، إضافة لإعتقالهم دون إحالتهم للمحاكمة وإجبارهم على إغلاق مدوناتهم، وهذا ماحصل مع المدون أسامة إدوار قريو “مدونة آشوريون من أجل الوجود والحرية“، إذ تم اعتقاله في 27\2\2008 على خلفية مقال بعنوان “اللاءات الثلاث: لا غاز لا مازوت لا كهرباء” لمدة تسع أيام يعتقد أنه تعرض خلالها للتعذيب وأطلق سراحه إغلاق مدونته:

3

ولعل أحد أهم أسباب محدودية تأثير المدونات السورية -كماً وانتشاراً- هو: “تعامل السلطات مع المدونات وحجبها وحجب املواقع التي تقدم خدمة المدونات المجانية، مما أدى إلى تقلص مساحة التدوين وانحسار موجة المد التدوينية في المجتمع السوري.

إضافة إلى مشكلة تكلفة الانترنت وضعف خطوط الاتصال من داخل سورية، مما أدى إلى صعوبة انتشار ثقافة التدوين وبطء انتشار المدونات وتفاعل المستخدمين معها”.

إضافة إلى أن المجتمع السوري لا يزال بحاجة إلى توعية ونشر ثقافة التدوين وأهميته وتأثيره “وهذا يحتاج إلى تعاون وتكاتف جميع الجهات الحكومية إلى الأفراد”.

كيف يكون التدوين خطوة نحو التغيير ؟  التدوين المقاوم:

التدوين باب من أبواب المقاومة، فالتدوين تجاوز مرحلة كتابة الخواطر والأحداث اليومية الشخصية، ليصبح عاملا من عوامل الضغط والتغيير.

ولعل أبرز أهداف التدوين المقاوم هي العمل على إحداث تغيير إيجابي في البيئة المحيطة عبر مقاومة كل سلبية في المجتمع أو البيئة من جهل وضعف وإستبداد، ونشرثقافة المقاومة السلمية التي تدعو للتغيير السلمي ضمن أطر المجتمع المدني، ورفع نسبة الوعي بقضايا المنطقة وأحداثها وما يخطط لها.

و يجب أن تتوفر شروط أساسية لكي تستطيع هذه المدونات إحداث التغيير المراد إذ لا بد من مدونات واعية فكرياً وثقافياً تتجاوز الدائرة الشخصية إلى دائرة المجتمع الذي تعيشه، ولا بد من وجود هدف تسعى له المدونة ويسعى له المدون نفسه ، والانضمام والتفاعل مع التجمعات التدوينية، والتفاعل مع الأنشطة التدوينية الجماعية من أجل توسيع دائرة التأثير والانتشار، ويغدو من نافل القول أن الاستمرارية في التدوين وعدم الانقطاع والابتعاد عن الأحداث، له دور كبير على حجم تأثير المدونين.

بعض المدونين المعتقلين ومدوناتهم، صحفيو الإنترنت السجناء الآن أكثر من الصحفيين السجناء من أي وسيلة إعلام أخرى:

في تقريرها السنوي لعدد الصحافيين المعتقلين الذي أطلقته منذ أسبوع، قالت لجنة حماية الصحافيين أن “عدد صحفيي الإنترنت في السجون في جميع أنحاء العالم اليوم أكثر من الصحفيين الذين يعملون في أي وسيلة أخرى، بما يعد انعكاسا للتأثير المتزايد لصحافة الانترنت والآراء المنشورة إلكترونياً”.إذ وُجِد أن 45 % من جميع العاملين في وسائط الإعلام المعتقلين في جميع أنحاء العالم، هم من المدونين، والصحفيين على الإنترنت، ومحرري المواقع الإلكترونية.

في سـوريا، عدد المعقتلين بسبب التدوين والنشر الإلكتروني يشكل صدمة كبيرة مقارنة بعمر الإنترنت في البلاد، فلم يكن قد مضى على الخدمة عامين حتى اعتقل في أيلول 2002 كلاً من يحيى الأوس والأخوان مهند قطيش وهيثم قطيش بسبب إرسالهم أخباراً بالبريد الإلكتروني لصحيفة خليجية.

وأدين الثلاثة بتهمة “إستخدام الإنترنت لنشر أخبار كاذبة من شأنها إضعاف الشعور القومي”. وحكموا بالسجن سنتين ليحيى الأوس، و3 سنوات لمهند قطيش وأربع سنوات لأخيه هيثم قطيش.

وفي شباط 2003 اعتقل عبد الرحمن الشاغوري لسبب مجهول، وفي 26 حزيران 2003 أرسل المقرر الخاص المعني بالتعذيب ورئيس ومقرر فريق العمل المعني بالإعتقال التعسفي والمقرر المعني باستقلال القضاة والمحامين نداءً عاجلاً ومشتركاً إلى الحكومة السورية بشأن الشاغوري، وفي 15 أيلول ردت الحكومة السورية بأنه قبض على عبد الرحمن الشاغوري بسبب إرساله عبر البريد الإلكتروني مقالات مأخوذة من صحيفة أخبار الشرق، وقالت الحكومة أنها تعتبر محتوى هذا الموقع “ضاراً بسمعة الأمة وأمنها، وأنه مليء بالأفكار والآراء المعارضة لنظام الحكم في سوريا”. وحكم على الشاغوري لاحقاً بالسجن ثلاث سنوات من قبل محكمة أمن الدولة العليا.

وفي حزيران 2004 اعتقل مسعود حامد، الناشط في مجال حقوق الإنسان بسبب استخدامه الإنترنت في بث أشرطة فيديو صورها بنفسه، يظهر فيها كيف تقمع عناصر الأمن مظاهرة الأطفال الأكراد المجردين من الجنسية أمام مبنى الأمم التحدة في دمشق. وحكم على حامد بالسجن 3 سنوات.

وفي أيار 2005 اعقتل حبيب صالح بسبب كتابته سلسلة من المقالات على موقع إيلاف الإلكتروني، وحكم عليه بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وأفرج عنه بعد سنتين وربع، لكن أعيد إعتقاله في أيار الماضي بتهمة نشر مقالات عبر الإنترنت تضعف الشعور القومي.

وفي مطلع عام 2006 اعتقلت السلطات مجموعة من 8 طلاب جامعيين، وحاكمت سبعة منهم أمام محكمة أمن الدولة العليا، بتهمة “نشر كتابات ومقالات وتعليقات وتصريحات تعرض سوريا لخطر أعمال عدائية” في إشارة إلى مدونة مشتركة كان الطلاب يكتبون فيها هي مدونة الدومري السوري. وحكم عليهم بالسجن لخمس سنوات ولسبع سنوات لإثنين منهم. والصورة التالية من أرشيف  المدونة:

14

وفي آب 2006 اعتقالت السلطات فراس سعد، بسبب كتابته مقالاً على موقعه الفرعي على موقع الحوار المتمدن، يتساءل فيه عن دور الجيش السوري خلال حرب تموز 2006 على لبنان، وحكم عليه بالسجن لأربع سنوات من قبل محكمة أمن الدولة العليا.

وفي تموز 2007 اعتقل طارق بياسي بسبب تعليق كتبه على أحد المنتديات الإلكترونية يسخر فيه من أجهزة الأمن واسلوبها في التحقيق مع معتقليها، وحكم على الشاب بالسجن ثلاث سنوات من قبل محكمة أمن الدولة أيضاً.

وفي آب 2007 اعتقل كريم عربجي، المشرف على المنبر الحر في منتدى أخوية الإلكتروني، وتمت إحالته إلى محكمة أمن الدولة أيضاً وهو لا يزال قيد المحاكمة.

وفي تشرين الأول 2007 أفرج عن علي زين الدين بن مجعان الذي حكم بالسجن لسنتين بسبب كتباته تعليقاً يشتم فيه حكام المملكة العربية السعودية، بعد أن أنهى فترة حكمه.

فسحة أمل:

رغم الحصار الشديد المفروض وجد النشر عبر شبكة الانترنت لنفسه منفذاً وحقق تواجداً لدى المواطن السوري الذي يرغب فى استكشاف مصادر مستقلة للمعلومات تختلف عن الإعلام التقليدي الخاضع للرقابة وذلك رغم المخاطر الشديدة التى تحيط بالتواجد على الشبكة.

ورغم سياسة الحجب التي كانت ومازالت متبعة، فإن عدداً قليلاً من مستخدمي الإنترنت السوريين هم من يعانون من نتائجه، فالالتفاف على المنع هذا أسهل من الالتفاف على منع جريدة أو مجلة ورقية من دخول السوق المحلية، وقد طوّر السوريون طرقاً وأدوات تسمح بتجاوز الحجب والوصول إلى المواقع المحجوبة ببساطة ويسر شديدين.

وما دام الحجب لا يحقق أهدافه المفترضة في منع مستخدم الإنترنت السوري من الوصول إلى معلوماتٍ لا تريد الجهات التي تقرر الحجب أن يصل إليها، فلا يمكن أن نفهم استمرار سياسات الحجب إلا على أنها مجرد منغصٍ إضافي، أو إثبات وجودٍ بطرق دونكيشوتية قديمة لم تعد تنفع مع تطور تقانة المعلومات وتطور خبرة السوريين في استخدامها للوصول إلى المعلومات.

فقد وسعت شبكة الانترنت قاعدة الحصول على المعلومات ونشرها وإنتاجها، والتعبير عن الرأي وتوصيله، فحازت بذلك مفعولاً ديمقراطياً أكيداً. ووفرت فرصاً للتعارف والتواصل والتجمع الافتراضي لأناس لم يسبق لهم أن التقوا، وقد لا يلتقون أبدا. وهذا شأن عظيم الأهمية في بلد تحرم فيه حالة الطوارئ العريقة اجتماع الناس الطوعي والمستقل في الشارع، إن لأغراض تضامنية أو احتجاجية أو حتى احتفالية. بذلك كله أظهرت شبكة الانترنت أنها غير محايدة سياسياً، وأنها أكثر ديمقراطيةً مما ترضى به السلطات السورية.

ورغم أن آلية عمل المدونين في سوريا بقيت إلى الآن، تدخل في حيز النشاطات الهاوية والتطوعية التي تفتقد إلي الاحتراف… إلا أنها استطاعت أن تسجل هدفاً في مرمى القمع السوري الرسمي… فحركة التدوين تكبر يومياً… والأصوات والوجوه التي تسعي لرصد الحقيقة، ومتابعة الخبر قبل تزويره، تزداد عدة وعتاداً… والأهم اليوم، ليس أنها مجرد خرق لجدار الصمت والتعتيم الجاثم علي صدورنا، بل أنها نواة لحالة وعي… حالة وعي بحقوق المواطنة، وبإمكانية هدم جدار الصمت بدلا عن خرقه، وبالأمل من أن يتحرر الشباب السوري من منظمات التدجين، ووسائل إعلام الكذب والنفاق والتعبئة الجماهيرية، التي تداس فيها الحقيقة والحقوق تحت أرجل إعلام عديم الضمير، وأعمى البصر والبصيرة!

الإنترنت نعمة سنحافظ عليها ونقاتل من أجلها حتى آخر مدون، لنراها تصل إلى حيث نريد نحن ولا يريد آخرون، إلى يوم نلج فيه مواقعنا السورية فلا نفاجأ بكلمة “ممنوع الدخول”، يوم قريب جداً، يرونه بعيداً… ونراه قريباً.

– ملف مجلة شبابليك عن التدوين السوري، المدونون الشباب في سوريا.

– مقابلة عميد المدونين السوريين الصديق عمر مشوح مؤسس ومدير مجمع التدوين السوري “المدون” وصاحب مدونة المـرفأ، تمت المقابلة مع منتدى أشرعة.

– تدوينة للمدون عمر مشوح بعنوان” التدوين المقاوم.

– محاضرة سابقة ألقيت ضمن فعاليات افتتاح مركز سكايز لمراقبة الحريات الإعلامية في مؤسسة سمير قصير             “الإنترنت في سوريا نعمة أم نقمة؟؟“.

– تقرير هيومن رايتس ووتش ” الحرية الزائفة”.

– تقرير منظمة “لجنة حماية الصحافيين السنوي لعام 2008.

كل الشكر لمن قدم نصائح ودعم وتشجيع لهذا النص.

محمد العبد الله*

انتظر السوريون الإنترنت كثيراً بعد أن كانوا سمعوا عنه من جوارهم ومن شاشات التلفزة، وحيكت القصص والأقاويل عن الإنترنت وعن المعجزة القادمة وعن الإمكانات التي سيقدمها للبلاد، وعن التجارة الإلكترونية وعن وعن…. وكان على السوريين الراغبين الولوج للشبكة العنكبوتية قبل ذلك الإتصال عبر الهاتف بمزود الخدمة في لبنان أو الأردن، وتكبد نفقات باهظة.

وفي العام 2000 وصل الزائر المرتقب، وبدأ السوريون الحصول على الخدمات بالقطّارة، وبدأت الجمعية المعلوماتية السورية بتقديم الخدمة بدايةً لشرائح معينة دون أخرى كان لها أولوية على الباقين (الأطباء والمهندسين والمحامين).

وبعد عام تقريباً بدأت المؤسسة السورية للإتصالات (مؤسسة حكومية ثانية) تقديم الخدمة للمواطنين عامة، وكان على السوريين الذين يودون الإشتراك إحضار صورة عن بطاقة الهوية ونسخة مطبوعة من استمارة طلب الإشتراك إلى مركز خدمة الزبائن، وتوجب عليهم ملء بيانات الإسم وإسمي الوالدين والجنسية ورقم الهوية الذي تصدرها الحكومة وتاريخ ومحل الميلاد والمهنة واسم المستخدم وكلمة السر.

ومثلت التكلفة الباهظة للخدمة أحد أهم العوائق التي وقفت في وجه إنتشارها. لكن وعلى الرغم من هذه العوائق فقد ارتفع عدد المستخدمين في سوريا سريعاً، إذ أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها الذي صدر عام 2005 أن عدد المستخدمين السوريين كان يقدر وقتها بأكثرمن 500 ألف مستخدم.

في حين تقدر مجموعة الإستشاريين العرب، وهي بيت خبرة إستشاري تجاري مركزه عمان، أن يرتفع عدد مستخدمي الإنترنت السوريين بنسبة 24.9% بين عامي 2004 و2009، لتفوق نسبة المسستخدمين عام 2009 الـ 10% بعد أن كانت تقدر بأقل من 1% عام 2004.

لكن الفرحة بالزائر المنتظر لم تكتمل، فالعوائق المصطنعة والعراقيل التي زرعت في وجه الخدمة الوليدة كانت كفيلة بتقييدها ومحاولة الحد من إنتشارها، أو العمل على إنتشارها وفق منهجية تفرغها من مضمونها، الأمر الذي حدا بمنظمة هيومن رايتس ووتش أن تعنون التقرير المذكور سابقاً بعنوان : الحرية الزائفة.

ورغم ورود نصوصٍ كثيرة في الدستور السوري وفي المواثيق الدولية التي وقعت عليها سوريا تتحدث عن حرية الحصول على المعلومات وتبادلها، بدأت السلطات الإعتماد على مجموعة من القوانين المقيّدة والتدابير غير القانونية لقمع حق السوريين في الوصول إلى المعلومات ونشرها بحرية على الإنترنت. بدأت بالرقابة ومتابعة الرسائل الإلكترونية وصولاً إلى حجب المواقع وإلقاء القبض على مستخدمي الإنترنت والمدونين ومقاضاتهم؛ رقابة فرضتها أنظمة تخشى من مواطنيها معرفة الحقيقة الكاملة، أو على الأقل الصورة المعاكسة لما يصدرها إعلامها الرسمي، فلجأت إلى قتل المعلومة عن طريق حجبها عن بقية شرائح المجتمع، بهدف تحويل الحياة الافتراضية الالكترونية للسوريين إلى حياة تشبه حياتهم الواقعية؛ حياة يلفها العزلة والصمت والعيش على الهامش. وخلقت لهذا الغرض أنظمة مراقبة دقيقة وفعّالة في مواجهة هذا المد الهائل من المعلومات، وسيول المعرفة التي ستعمل على الإطاحة بتلك الرقابة، ودفنها في مقابر الفساد التي تملئ البلاد.

فمنذ اللحظة الأولى لم يكن أمام المواطن سوى استخدام خدمات البريد الإلكتروني التى تقدمها شركات التزويد المحلية والتي يسهل رقابتها فالسلطات السورية حجبت الوصول إلى مواقع خدمات البريد الالكتروني المجانية الشهيرة مثل Yahoo أو Hotmail أو Maktoob وغيرها ولم ترفع الرقابة عنها حتى العام 2004 الأمر الذى أرجعه أحد الخبراء إلى احتمال حصول السلطات على تجهيزات ومعدات أمنية جديدة تتيح لها رقابة البريد المتداول عبر هذه الخدمات أيضاً.

ومسألة الحجب والتعطيل هذه لا تأتي بالمصادفة، فالخطة الحكومية الخمسية العاشرة في فصل مخصص للإعلام وتحت عنوان «العوائق والمخاطر» ورد ما يلي حرفياً «أهم وأخطر ما نواجهه هو ما يسمى بالعولمة الإعلامية كأحد مظاهر النظام العالمي الجديد والتي دعت إليها وسائل الإعلام باستمرار.. (ومن بينها) الشبكة العنكبوتية، الإنترنت التي تبث من دون حسيب أو رقيب»!.

وفي شهر تشرين الثاني 2005 اعتبرت منظمة مراسلون بلا حدود السلطات السورية واحدة من أشرس خمسة عشر عدواً لشبكة الإنترنت على مستوى العالم. في حين صنفت منظمة Article19 سوريا ضمن الأنظمة العشرة الأكثر عداءاً للإنترنيت، وتقيداً لاستخدامها.

وأوردت دراسة أوبن نت (مبادرة الإنترنت المفتوح) التي جاءت نتيجة شراكة بين جامعات اوكسفورد وكامبريدج البريطانيتين وهارفرد الاميركية وتورونتو الكندية، ان حكومات في آسيا والشرق الاوسط وشمال افريقيا تمنع مواطنيها من الوصول الى معلومات تعتبر حساسة في هذه الدول وتتعلق بالسياسة والثقافة والجنس والدين.

وقالت الدراسة التي وضعت خلال عام 2006 ان “الطريقة التي تحصل فيها الرقابة تزداد تطوراً مع تطور أدوات الانترنت”. وأن ست دول تركز خصوصاً على الرقابة السياسية على الإنترنت كانت سوريا بينها. (بورما والصين وايران وسوريا وتونس وفيتنام).

وحجبت السلطات منذ منتصف 2006 عشرات؛ لا بل بل مئات المواقع ذات الإستخدام الواسع حيث يتم الحجب من قبل المؤسسة السورية للإتصالات بناء على طلب المخابرات.

وفي 18 تشرين الثاني 2007 حجبت السلطات السورية موقع «فايس بوك» الشهير.

وفي 1\7\2007 أبلغت عناصر من الأجهزة الأمنية أصحاب مقاهي الانترنت شفهياً ضرورة تسجيل البيانات الشخصية لمستخدمي الانترنت في محلاتهم والاحتفاظ بسجل يومي يتضمن اسم المستخدم الثلاثي واسم والدته ورقم الهوية الشخصية أو جواز السفر ورقم الجهاز الذي يستخدمه وساعة حضوره إلى المقهى وساعة مغادرته. وإلزام أصحاب المقاهي تسليم هذا السجل إلى مندوبي الأجهزة الأمنية عند حضورهم.

وفي سياق هذه السياسات المنهجية بهدف القضاء على الخصوصية التفاعلية وعلى مساحة الحرية التي يوفرها الإعلام الالكتروني أصدر وزير الاتصالات والتقانة الأسبق عمرو سالم بتكليف من مجلس الوزراء السوري قراراً بتاريخ 25/7/2007 يأمر فيه إدارة المواقع الإلكترونية بذكر: “اسم ناشر المقال والتعليق بشكل واضح ومفصل تحت طائلة إنذار صاحب الموقع ومن ثم عدم النفاذ إلى الموقع مؤقتاً وفي حال تكرار وقوع المخالفة عدم النفاذ إلى الموقع نهائياً”.

وفي 18\9\2007 نفذت الوزارة تهديداتها و”عاقبت” موقع “داماس بوست” الإخباري وحجبته لمدة 24 ساعة.

وفي آذار 2008 كتب المدون نهاد الشامي على مدونته (سوري يا نيالي) خبراً مفاده أن السلطات السورية حجبت مدونات مكتوب في سورية وقد تعذر على المدونين السوريين داخل سوريا على موقع مكتوب، البالغ عددهم أكثر من ثلاثة آلاف مدون الوصول إلى صفحات مدوناتهم.

ومنذ شهر تقريباً قامت السلطات السورية بحجب موسوعة (ويكيبيديا) wikipedia بنسختها العربية على جميع مزودات الخدمة في البلاد، ليفقد السوريون مصدراً إضافياً من مصادر المعرفة والمعلومات.

ولم تكتف السلطات بحجب المواقع عن المرتادين، بل عمدت إلى إغلاق ما تمكنت من إغلاقه، ففي نيسان 2006 توقف موقع مرآة سوريا عن العمل “طوعياً” بعد ضغوط مورست على رئيس تحريره ليفاجأ زوار الموقع بالرسالة التالية:

الأمر ذاته فعله موقع سيريا لايف في عام 2007 إذ أجبر الموقع على الإغلاق طوعاً، ووجد زواره الرسالة التالية على صفحته الرئيسية:

وفي 27\2\2008 اعتقلت السلطات السورية الكاتب أسامة إدوار قريو على خلفية مقال بعنوان “اللاءات الثلاث: لا غاز لا مازوت لا كهرباء” نشره على مدونته (آشوريون من أجل الوجود والحرية)، وأطلقت السلطات سراحه بعد تسعة أيام يعتقد أنه تعرض خلالها للتعذيب، وخرج ليضع الرسالة التالية على مدونته:

وتتنوع المواقع المحجوبة بين مواقع إخبارية سورية تتناول الأوضاع السورية الداخلية، ومواقع صحف تصدر في لبنان وبريطانيا، لتصل إلى بعض أهم الخدمات العالمية مثل (يوتيوب) Youtube، و غوغل بلوغ سبوت (google-Blogspot)، وسكايب.

لكن الأكثر خطورة اليوم من حجب مواقع الصحف البارزة هو حجب المدونات، التي يرى المراقبون في منعها كارثة معرفية حقيقية، لأن في المدونات محتوى أصيل وفريد هو الجزء الأكبر من المحتوى الثقافي والمفيد في الانترنت.

الإعتقالات:

سأتحدث في هذا القسم عن تجربة لا أعتبرها شخصية، ولا أستطيع تجاهل هذا الطابع فيها، ألا وهي تجربة مدونة “الدومري السوري”، ففي أعقاب إغلاق السلطات لصيحفة الدومري لرسام الكاريكاتير السوري علي فرزات، انطلقت مدونة أطلقت على نفسها إسم “الدومري السوري”، وأعلنت صراحة على صفحاتها الأولى أنها لا تمت بصلة لصيحفة الدومري.

إنطلقت المدونة على نطاق غوغل بلوغ سبوت، وقبل أن تحجب السلطات النطاق المذكور كاملاً قامت في كانون الثاني 2006 بحجب المدونة وحدها، وكتب يومها المهدي بن يونس على موقع مرآة سوريا (الذي أغلق طوعاً كما رأينا) الخبرالتالي:” في خطوة بلهاء تعبر عن مدى التخلف الفكري الذي ما زال يعاني منه الكثير ممن يعملون في مراكز مفصلية في بلدنا، قامت الجمعية المعلوماتية السورية بحجب موقع الدومري السوري عن المشتركين معهم على مخدّم انترنت الجمعية”.

لم يتكهن أحد بما حصل، وأعتقد قراء ومتابعوا المدونة أن السلطات حجبتها كما تفعل عادة مع من تختلف معه بالرأي، وعجز الجميع عن معرفة القائمين على هذه المدونة والتي حصدت عدداً لا يستهان به من القراء وجذبت إنتباه المتابعين داخل سوريا وخارجها، لدرجة حذت بموقع (bloggers watch) الصادر باللغة الإنكليزية أن يعلن على صفحة USENET الخاصة به أن الدومري السوري هو أكثر (blog) عربي تمّت زيارته منذ إنشاءه . وتحدثت أرقام عن خمس وسبعين ألف وتسعين ألف زائر يومي، قسم لا يستهان بهم من دول عربية وأوربية.

وفي كانون الثاني 2006 كتبت زينب غصن في صحيفة السفير اللبنانية مقالة بعنوان “في الداخل يا رب السترة وفي الخارج معارضة” وهي تتناول موضوع مواقع الـ (blogs) في سوريا، حيث كتبت:

لعل أكثر المدونات السورية الداخلية لطافة هي تلك التي تتخذ من التهكم سلاحا لها لإطلاق نكات حول الوضع السياسي تحت اسم <>. ويحرر هذه المدونة عددٌ من الشباب السوريين في الداخل. وهي لا علاقة لها بمجلة الدومري التي كانت تصدر في الشام وتم إيقافها.

ازدانت “الدومري السوري” بعدد كبير من الصور والكاريكاتيرات، الأمر الذي دل على استحالة أن تكون المدونة تحرر من شخص واحد، وأن الفريق القائم عليها يملك خبرة واضحة ببرامج الرسم كالفوتشوب، أو بالفن اليدوي المجرد.

كنت قد تعرفت إلى المدونة قبل حجبها وتابعتها باهتمام وقمت بتعميم بعض كتاباتها وصورها عبر البريد الإلكتروني، تحدثت “الدومري السوري” بكل المواضيع التي تهم الشعب السوري تقريباً، قلم تترك موضوعاً لم تتطرق إليه، وشفع كل موضوع منها بصورة أو كاريكاتير أو تعليق.

فمن الفساد:


إلى الفقر والغلاء:

إلى الإصلاح الإقتصادي الصوري:

إلى مصداقية الصحافة السورية:


إلى التسلح السوري لمواجهة العدو الإسرائيلي:

إلى شعبية أعضاء مجلس الشعب:


مروراً بصدور تقرير ميليس:


وارتفاع صوت الناس بالكلام عما ورد بالتقرير أيضاً:

وتمثيلية هسام هسام:


المعارضة السورية نالت نصيبها من النقد، فنشرت المدونة الكثير من التعليقات والإنتقادات والكاريكاتيرات لعل أجملها الذي تناول الأستاذ العزيز المعتقل ميشيل كيلو.


عندما رأيت الصورة عرضتها على العزيز المعتقل أيضاً فايز سارة، ضحكنا عليها سوية، رغب سارة في إرسالها لكيلو بالإيميل، لكنه تردد خوفاً من جرح شعوره، ثم أتى كيلو لمكتب سارة ورأى الصورة التي ضحك عليها كثيراً وسأل عن الشخص الذي رسمها.

وفي كانون الأول 2005 قمت بتخزين الصورة التالية على جهازي المنزلي:


ضحكت عليها كثيراً، أكثر مما قد يتخيل أي شخص، ضحكت حتى دمعت عيناي، عرضت الصورة على والدي وشقيقي وعائلتي، لم يعلق شقيقي عليها كثيراً، أمضيت النهار بطوله أردد عبارة “لو أعرف بس مين وراء هالمدونة”، وشقيقي يسألني في كل مرة “ليش شو بدك منه”.

علاقة الدومري السوري بقراءه كانت فريدة من نوعها أيضاً، وبين الفينة والأخرى كانت المدونة تنشر بعض الرسائل التي تصلها مع تعليقات أو إجابات عليها أقتبس منها التالي:

السيد “إبن سوريا العروبة” يظن أن موقعنا (منحطّ)، وأننا أناس (سخفاء):

شكراً على الألفاظ النابية. ولكن لماذا تتابع الموقع ؟

الآنسة سحر تصرّ على التعريف أكثر بأصحاب الموقع:

تكرم عينك. وهي صورة لأحد الشباب في الموقع:

وردنا أكثر من بريد ألكتروني يسأل إذا كان موقعنا سوري، ولماذا لا نفصح عن أسمائنا:

مع الشكر لهذا الاهتمام المتزايد لموقعنا الجديد، فإننا نؤكد أننا سوريون وموقعنا سوري.
أما سبب عدم الإفصاح عن أسمائنا فهو تحسبا” (من شي آدمي يبعتلنا مرافقته يلدعونا كمّ كفّ) وفهمكم كفاية.

في أواخر عام 2005 بدأت المخابرات السورية حملة إعتقالات طالت ستة من نخبة طلاب جامعة دمشق على إختلاف إختصاصاتهم العلمية إضافة إلى صديقين لهم من خارج الجامعة. بدأت الإعتقالات بشكل متفرق (حسام ملحم وماهر إسبر في أواخر 2005)، مروراً بعلام فخور وطارق الغوراني وعلي العلي وأيهم صقر في شباط 2006 إنتهاء بدياب سرية وشقيقي عمر العبد الله في آذار 2006، اعتقلوا من قبل جهاز المخابرات الجوية المسؤول عن أمن المطارات دون أن يعلم أحد لماذا، وخلال شهر ونيف قضاها شقيقي في الذهاب يومياً للتحقيق قبل اعتقاله لم يطلعني أو والدي على سبب استدعاءه أو إعتقال زملائه.

في 18 آذار اعتقل شقيقي عمر وبعده بخمسة أيام اعتقلت مع والدي، غابت الأسرة في السجون، وأفرج عني ووالدي بعد ستة أشهر ونصف، وحكم شقيقي عمر مع رفاقه….. سبعة سنوات سجن لطارق الغوراني وماهر إسبر، وخمسة سنوات للباقين.

لم يعرف أحد ما الذي اقترفه شبان في عشرينات العمر، شبان بأعمار الورود سوى التهمة التي حوكموا عليها “نشر أنباء وكتابات ومقالات وتصريحات لا تجيزها الحكومة من شأنها تعريض سورية لخطر أعمال عدائية”، لم يعرف أحد السبب، حتى المحامين الذين ترافعوا ودافعوا عنهم أمام محكمة أمن الدولة العليا الإستثنائية لم ينبسوا ببنت شفة، لم يعرف أحد شيئاً إلا بعد الإفراج عن أحد الطلاب (علي العلي) الذي خرج بعد عام فقط من اعتقاله ليخبر الجميع أن التهمة كانت “الدومري السوري” وكتابات أخرى كتبها حسام ملحم ودياب سرية وعمر العبد الله على منتدى أخوية الإلكتروني.

تعتيم غير مسبوق نجحت السلطات بفرضه على القضية، فلم تشر أي منظمة حقوقية للشباب المعتقلين كمدونين. حتى المنظمة الوحيدة التي اهتمت بقضيتهم (العفو الدولية) اعتبرتهم معتقلي رأي دون أن تعرف شيئاً عن القضية، وخلت بياناتها من أي إشارة لإعتبارهم مدونين معتقلين بسبب تدويناتهم.

عندها فقط أدركت مستوى غبائي، فأحد مشرفي المدونة التي عشقتها كان شقيقي الذي كان يعمل على تحرير المدونة من نفس جهاز الكمبيوتر داخل غرفتنا المشتركة. أدركت وقتها فقط حجم المخاطرة بأن تفتح مدونة سورية من داخل سوريا، الأمر الذي يتطلب أن تكتم السر عن عائلتك وأهلك وذويك وصاحبتك وأخيك.

حكم على الشبان من قبل تلك المحكمة الإستثنائية بعد عملية تعذيب قاسية، وانتهت أجمل تجربة لأجمل مدونة تكتب مرت على السوريين من داخل سوريا. فجأة إختفت المدونة (المحجوبة أصلاً) وأختفى الأرشيف، لم يعلم أحد لماذا إلا لاحقاً، إذ تطوع جهاز المخابرات المذكور برفع محتواها عن الشبكة وإتلافه، لم ينج منها إلا بضعة صفحات وجدتها لاحقاً على جهاز الكمبيوتر في منزل من مخلّفات شقيقي، عرضت منها الصور أمامكم اليوم.

لكن التجربة لم تنتهي، فمدونوا منتدى أخوية أوفياء لأصدقائهم المدونين، أقاموا حملة لهم، ثبتوا كتاباتهم على الصفحة الرئيسية، واعتبروهم معتقلي المنتدى، فكثيراً ما ترى على أخوية توقيعاً موحداً بلون أحمر قانئ “الحرية لشباب الأخوية الأسرى”.

لم ترق السلطات حملة أخوية فحجبت الموقع الذي يرتاده أكثر من خمس وسبعين ألف شخص وأكثر من خمسين ألف عضو مسجّل، راقبت الموقع وأغرقته بالمخبرين للدفاع عن النظام وأهله، لكنها فشلت أمام إصرار المدونين على الإنتصار لقضية زملائهم، فقررت إعتقال المشرف على “المنبر الحر” في منتدى أخوية وهي الزاوية الأكثر شعبية في المنتدى كله، المدون كريم عربجي (Karimbow) الذي مر منذ أيام عام على إعتقاله، اعتبرته منظمة العفو الدولية سجين رأي، ورأت منظمة مراسلون بلا حدود أنه مدوّن سجين بسبب تدويناته، اعتقل كريم عربجي من المخابرات العسكرية (فرع فلسطين) بعد أن تعمم منتدى أخوية على كل الأجهزة الأمنية الخمسين المهتمة بأمن البلاد، ونفسية الأمة، والشعور القومي، أحيل كريم عربجي بعد ثمانية أشهر من التعذيب والحبس الإنفرادي في فرع فلسطين إلى سجن صيدنايا العسكري، بسبب قصيدة كتبها يعايد فيها صديقه الأسير دياب سرية يقول فيها:

الحمدلله على نعمة الالحاد

الحمد للعقل على نعمة الله

اما بعد

صديقي دياب، بعد ايام، يختفي قمر رمضان، و يهل عيد الفطر (السعيد) على جميع البلدان

اذكر اننا، و طارق معنا، قد اتفقنا في الفطر الماضي على ان نعايد بعضنا على سبيل “البروتوكول”، على اساس انو “كل شي ببلاش كتر منو”

مبارك مبارك

صديقي دياب

قد طال الغياب

و رحل السنونو عن سمانا

فراداً و اسراب

رحل إلى سماواتٍ اخرى

فبقاءٌ محلق في سنانا

مصيره الوأد في سرداب

اخباري؟

عايشين، و الحمد لهم، كالذباب

آكل كالدواب

أغب كالطين، حتى اسكر من خمر الجباب

و احسد نفسي على نعمة

انت تعرفها … فأنت محروم منها

نعمتي اني استطيع ان افتح و ان اغلق الباب

ادعيلي ايها الكافر الكريم

فدعوى المظلوم ستلقى الجواب

ألا يزورني احد من الشباب

و ألا يوجه بحقي

اي تهمة تتعلق بالارهاب

و ان يبقي على نعمتي رب الارباب

صديقي الحزين

اتراك ترد المعايدة

في عيد … أي عيد

حتى لو كان عيد الاحزاب؟

أم ان الحانة ستبقى خاوية

حتى إشعار اخر

او حتى موعد محكمة اخرى

من جميع الاتراب؟

تخيل صديقي!

هناك نعمة احسدك أنا عليها

اعرفها جيدا … فأنا محروم منها

فحيث تسكن في ذاك الجوف

لا تعرفون معنى الخوف

تخيل انك سبيت ابو رامي مخلوف

ماذا سيفعلون؟ سيسجنوك؟

انت اصلا تسكن في قبو مسقوف

صديقي دياب

قد طال الغياب

و لكنني

و على الرغم من مللي

ما زلت انتظر غودو

كأب ينتظر مولودو

كمؤمن ينتظر يومه المشهود

كإله

متربص بمعبوده

و يؤجل …بكفرٍ

يومه الموعود

فلا اخفيك سرا

ما زلت بالانتظار

لاسمع منك الاخبار

لاقرأ معك

ما كتب حسامنا من اشعار

ما زلت يا دياب

انتظر يوم الاياب

انتظر لقاء الاحباب

انتظر عودة السنونو

ليشق بجناحيه العباب

و في الختام…. عتاب

اعتقل كريم ليسجن إلى جانب صديقه دياب سرية ويغلق عليهما الباب معاً.

منذ أيام فقط أجلت محكمة أمن الدولة جلسة محاكمة كريم عربجي لأجل غير مسمى إنتظاراً للإنتقال إلى البناء الجديد للمحكمة والتهمة نفسها: نشر أنباء كاذبة من شأنها أن تنال من هيبة الدولة.

شباب الأخوية الأسرى، كريم عربجي، وآخرين كثر….الشهر الماضي أصدرت نفس المحكمة حكماً بسجن المدون طارق بياسي ابن الـ23 ربيعاً لثلاث سنوات بسبب تعليقٍ نشره على الانترنت، حُكم على طارق بنفس التهمة: النيل من هيبة الدولة…. …. آه كم أحتقر هذه الهيبة.

فسحة أمل:

رغم الحصار الشديد المفروض وجد النشر عبر شبكة الانترنت لنفسه منفذاً وحقق تواجداً لدى المواطن السوري الذي يرغب فى استكشاف مصادر مستقلة للمعلومات تختلف عن الإعلام التقليدي الخاضع للرقابة وذلك رغم المخاطر الشديدة التى تحيط بالتواجد على الشبكة.

ورغم سياسة الحجب التي كانت ومازالت متبعة، فإن عدداً قليلاً من مستخدمي الإنترنت السوريين هم من يعانون من نتائجه، فالالتفاف على المنع هذا أسهل من الالتفاف على منع جريدة أو مجلة ورقية من دخول السوق المحلية، وقد طوّر السوريون طرقاً وأدوات تسمح بتجاوز الحجب والوصول إلى المواقع المحجوبة ببساطة ويسر شديدين.

وما دام الحجب لا يحقق أهدافه المفترضة في منع مستخدم الإنترنت السوري من الوصول إلى معلوماتٍ لا تريد الجهات التي تقرر الحجب أن يصل إليها، فلا يمكن أن نفهم استمرار سياسات الحجب إلا على أنها مجرد منغصٍ إضافي، أو إثبات وجودٍ بطرق دونكيشوتية قديمة لم تعد تنفع مع تطور تقانة المعلومات وتطور خبرة السوريين في استخدامها للوصول إلى المعلومات.

فقد وسعت شبكة الانترنت قاعدة الحصول على المعلومات ونشرها وإنتاجها، والتعبير عن الرأي وتوصيله، فحازت بذلك مفعولاً ديمقراطياً أكيداً. ووفرت فرصاً للتعارف والتواصل والتجمع الافتراضي لأناس لم يسبق لهم أن التقوا، وقد لا يلتقون أبدا. وهذا شأن عظيم الأهمية في بلد تحرم فيه حالة الطوارئ العريقة اجتماع الناس الطوعي والمستقل في الشارع، إن لأغراض تضامنية أو احتجاجية أو حتى احتفالية. بذلك كله أظهرت شبكة الانترنت أنها غير محايدة سياسياً، وأنها أكثر ديمقراطيةً مما ترضى به السلطات السورية.

ورغم أن آلية عمل المدونين في سوريا بقيت إلى الآن، تدخل في حيز النشاطات الهاوية والتطوعية التي تفتقد إلي الاحتراف… إلا أنها استطاعت أن تسجل هدفاً في مرمى القمع السوري الرسمي… فحركة التدوين تكبر يومياً… والأصوات والوجوه التي تسعي لرصد الحقيقة، ومتابعة الخبر قبل تزويره، تزداد عدة وعتاداً… والأهم اليوم، ليس أنها مجرد خرق لجدار الصمت والتعتيم الجاثم علي صدورنا، بل أنها نواة لحالة وعي… حالة وعي بحقوق المواطنة، وبإمكانية هدم جدار الصمت بدلا عن خرقه، وبالأمل من أن يتحرر الشباب السوري من منظمات التدجين، ووسائل إعلام الكذب والنفاق والتعبئة الجماهيرية، التي تداس فيها الحقيقة والحقوق تحت أرجل إعلام عديم الضمير، وأعمى البصر والبصيرة!

الإنترنت نعمة سنحافظ عليها ونقاتل من أجلها حتى آخر مدون، احجبوا ما شئتم من المواقع، واعتقلوا من تشاؤون من المدونين، وأصدروا التعليمات والتعاميم والتهديدات، فلن ترهبونا بويلكم وثبوركم وعظائم أموركم، وسبق أن فشلتم؛ لن توقفوا التطور المنطقي والطبيعي لثورة المعلومات، وسنراها تصل إلى حيث نريد نحن ولا تريدون، إلى يوم نلج فيه مواقعنا السورية فلا نفاجأ بكلمة “ممنوع الدخول”، يوم قريب جداً، يرونه بعيداً… ونراه قريباً.

* مداخلة ألقيت في مؤتمر”الحريات الثقافية و الإعلامية في المشرق العربي” بمناسبة إطلاق مؤسسة سمير قصير الثقافية مركزها الإعلامي للدفاع عن الحريات الصحافية “سكايز”.