لا أدري ما الذي حذا بالموظفة في مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيروت أن تبشرني بتلك العبارة، فتزف التباريك قبل أن تعلمني أني أصبحت لاجئاً، وأن نتيجة المقابلة المطولة التي أجريتها كانت إيجابية، ربما اعتادت أن تفعل ذلك مع اللاجئين العراقيين في لبنان، كونهم يعيشون حياة مزرية وبائسة.

لكن مالذي قد يدفع شخص مثلي للفرح كونه أصبح لاجئاً؟؟ سؤال لم يراودني وقتها. فرحت كثيراً بكل ما تحمل كلمة فرح من معنى، أخبرت أصدقائي المقربين، المقربين فقط كون الموضوع سري جداً، حتى الفرحة لا يمكنك مشاركتها للناس إن كنت لاجئاً فاراً من “سوريا الأسد”.

بدأت الفرحة بالتبدد، لا، ليس تبدداً، ذهبت السكرة وأتت الفكرة. أتى وقت التفكير، أصبحت لاجئ، ماذا تعني تلك الكلمة، خبرتها في لبنان وأعرفها جيداً من العنصرية تجاه اللاجئين الفلسطينيين، اللاجئ شخص بلا وطن، بلا أرض، مقيم لدى أناس آخرين، ضيف ثقيل الدم،

المشاعر الملتبسة عصية على التفسير غالباً، تلتبس على أصحابها أصلاً، فيغدو وصفها من الصعوبة بمكان، يتجنب شاعرها إخبارها للناس لصعوبة الوصف.

حصلت على صفة اللاجئ في كانون الأول 2007، وكان علي الانتظار طويلاً للسفر، الذي لم تحدد وجهته يومها، أربع دول سيصبح أحدها “وطني الجديد”، الولايات المتحدة، كندا، السويد، نيوزيلاندا.

الاختيار ممنوع، وحدها مفوضية الأمم المتحدة والدول المعنية هي من يختار اللاجئين، حتى قواعد المفاضلة بين اللاجئين مجهولة.

بدأت الإجراءات الأخرى، إجراءات ماراثونية، في المفوضية من جديد، في قسم إعادة التوطين، مقابلة مطولة تعيد فيها الأسباب التي دفعتك لمغادرة بلدك، والتي تجعلك متخوفاً من العودة إليه. يطلب منك أن تفاضل بين الدول الأربعة، لكن قد لا يستجاب لأمنياتك، اخترت كندا كوني أملك أقارباً هناك، فأختار الله لي الولايات المتحدة.

مقابلة مطولة هناك، في السفارة الأميركية في بيروت، عوكر، مكان سمعت عنه كثيراً وأتى الوقت لأزوره، لكن كلاجئ، يوم مارثوني بإمتياز، من الساعة 12 ظهراً حتى الساعة 3 صباحاً.

الصدف جميلة ومقيتة في بعض الأحيان، يوم مقابلتي في السفارة الأميركية كان يوم المحاضرة التي ألقيها في مركز سمير قصير – سكايز حول الإنترنت في سوريا في حزيران 2008، أنهيت مداخلتي قبل الساعة الثانية عشرة ظهراً بعشر دقائق، غادرت كالمجنون يومها، علي أن أصل مبنى مفوضية الأمم المتحدة قبل الساعة الثانية عشرة. ووصلت على الموعد.

باصان تابعان للأمم المتحدة، توزع فيهما اللاجئون، انطلقنا إلى السفارة الأميركية، الباصان مليئان بلاجئين من العراق ومن الصومال، من بلدان تشوبها حروب ونزاعات، ويسألني الجميع: في حرب بسوريا؟؟ ليش أنت لاجئ؟؟ لا أدري مال بلدي السليم المعافى يدفعني للهرب والمغادرة.

المقابلات بالدور، العائلات أولاً، وهذا مفهوم لو أن العائلة التي تنهي كقابلتها تغادر، لكن بعد أن تنهي مقابلتك تنتظر حتى ينتهي الآخرون، ليخرج الجميع كما دخلوا كمجموعة وحدة من السفارة.

كون الجميع من العائلات، فقط 7 شباب منفردين، أتي دوري للمقابلة الساعة 2 صباحاً، بعد إنتظار دام 14 ساعة، علي أن أجيب على الأسئلة التي ستطرح علي، علي أن أجيب بالعربي حتى لو كنت من متحدثي الإنكليزية، عليه أن يفحص لهجتي أيضاً، الأخطاء ممنوعة، أي خطأ يعني أنني أكذب وأني سأرفض.

سألني القنصل، وأجبت. هل تملك إثباتاً على ما قلت؟ نعم أملك، أجبت، أخرجت المغلف الذي بحوزتي، تقارير منظمة العفو الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ومراسلون بلا حدود، إضافة لتقارير وزارة الخارجية الأميركية لوضع حقوق الإنسان في سوريا للأعوام 2005، 2006، 2007، 2008، ذكر إسم العائلة في التقارير، ربما إسمي أو إسم والدي أو إسم شقيقي، فجأة أنهى القنصل المقابلة، وقال لي، أملك هذه الوثائق من قبل!!.

أقصر مقابلة أجريت يومها، لا أدري لماذا أنهاها القنصل فجأة، أرعبني ما حصل، سيرفض طلبي، علمت في السابق أن من تكون مقابلته مطولة ويتعرض لمضايقات في الأسئلة ومطابقات لإجابته مع المقابلات السابقة سيقبل، معنى ذلك أني سأرفض….علمت لاحقاً أن ملفي وقضيتي واضحين، والوثائق التي بحوزتي كافية.

انتظرت النتيجة، وكنت أنتظر أهم خبر في حياتي، اليوم… غداً، في ناس عم تسافر، ليش أنا لسا؟؟

قرابة الأربعين يوماً مرت، تلقيت إتصالاً من مفوضية الأمم المتحدة يعلمني بقبولي للسفر للولايات المتحدة، فرحت كثيراً، قفزت يومها في عملي، وكاد رأسي يصيب السقف المنخفض للغرفة. هنأني الجميع، مديري وزملائي، الخبر مفرح، فرحة عارمة، أبلغت الأصدقاء، المقربين فقط كالعادة، إذ لا يمكنك الفرح علناً وأنت بصدد السفر من بيروت للولايات المتحدة كلاجئ سياسي وهارب من سوريا الأسد.

بقي موعد السفر، راح الكثير ولم يبق إلا القليل، تذهب الأيام وتأتي أخرى… طالت رحلتنا يوم واقتربت سفرتنا يوم.

في 28 كانون الاول 2008 رن هاتفي صباحاً، أعلمتني الموظفة من مفوضية الأمم المتحدة أن سفري إلى الولايات المتحدة تحدد في 29 كانون الثاني 2009، تاريخ لا يمكن أن أنساه بعد اليوم.

كنت في المنزل، قفزت كثيراً على السرير، صرخت بوجه الموظفة (ثانك يو….ثانك يو)، بدأت بعدها بالبكاء، دموع غزيرة لا أدري من أين أتت، دموع الفرح وأشياء أخرى ربما. اتصلت مجدداً بالأصدقاء المقربين أعلمهم بموعد السفر، المقربين فقط كالعادة في كل ما يتصل بسوريا الأسد.

ذاك المزيج الغريب من المشاعر المتداخلة التي لا يمكن أن توصف، شعور لا يوصف بالفرح قد يدفعك فجأة للبكاء حزناً، أو للبكاء دون أن تعرف خلفيته، حزن أم فرح أم الإثنين معاً….دموع فرح، دموع حزن، لا فرق، المهم أنها دموع، دموع صادقة على الأقل.

أسبوع ما قبل السفر كان الأقسى، عليك أن تودع كل من عرفته، أهلك وناسك واصحابك، معارفك وزملاء الدراسة (كوني درست في لبنان)، العلاقات العامة التي نسجتها على مدى أعوام، كله سيذهب مع الريح، رايح ومش راجع، كان موضوع السفر أحد أسباب تسمية المدونة بهذا الإسم.

للحديث تتمة……

تعليقات
  1. Muzna قال:

    فقت اليوم عزيزي عمفكر فيك، وعمفكر انه ما شفتك قبل ما رحت.. خسارة، وبتمنى تسامحني. ولما شفت تدوينتك، انتبهت اديه ممكون تكون كانت رحلتك قاسية (معنوياً قبل اي شي تاني).
    بتمنالك التوفيق عزيزي، ومنلتقي اذا مش قريبا بالولايات المتحدة، بلبنان، او بسوريا، منلتقي بعالم بلا حدود ولاجئين وجنسيات وحكومات ظالمة (على الأرض طبعاً).

  2. مواطن قال:

    خلي حدا يلاحقني و قبلان كون لاجئ بأمريكا شو هوي زعلان يعني؟ ميت واحد بيتمنا هيك سفرة

  3. raye7wmishraj3 قال:

    مزنة:

    كنت حابب شوفك كمان قبل ما سافر، يبدو ما الي حظ، على كل بنبقى على تواصل.

    صديقي المواطن اللي بتتمنى هيك سفرة، انا كنت اتمناها من زمان، لكن كطالب او فيزة عمل او تحت أي تصنيف آخر غير لاجئ.

  4. genin2002 قال:

    يعني هلق انت في زمن جديد00 في مكان جديد 00وبدك تبني من جديد 00بعالم كل شي فيه جديد بجديد 000

    لح تحفر بالصخر بس انشاله يكون شي حلو بتمنالك حياة ترضى عنها00

  5. أبو جود قال:

    أخي أعانك الله

    متى نستطيع أن نحرر سوريا؟

  6. Majd قال:

    مبروك محمد … نشالله هيك بتكون هي بداية جديدة بحياتك …ونشالله منلتقي جميعا في سوريا التي نريد …

    بس ملاحظة صغيرة … هلأ راسك كان رح يضرب بسقف الغرفة لأنو منخفض؟؟ شو هالعدم الحيادية ؟؟ هلأ صار الحق على السقف؟؟😛

  7. billal09 قال:

    Mabrook,
    You will love it here.
    I hope you pleasant trip and I hope you will keep your enthusiasm for helping others to free speech in your birth country.
    You are now a refugee, but the great work for helping others is no done yet. When someone finds the number of refugees from Syria, which includes the run away, political asylums, relatives and family member of wanted names, families association and many other categories then the picture will be clear and then you will realize that you are not refugee, you are a run away from dictator like other millions outside the country.
    When someone will find this number and find their names, then the whole world will know what type of regime is taking over the country called Syria.
    I met here in the US a lot of people affected by the bad deeds of the regime, even second generation. It is a tragedy, but Syrian people have much dignity to speak up and accept a refugee status.

  8. أمنية قال:

    u should try calling ur number.

  9. منال قال:

    الله ييسر لك أمور ويعينك في بلاد الغربة..
    بس أنا ورد على بالي سؤال. أنت الآن نهائياً لاتستطيع العودة ؟ طيب بس يطلع والدك بإذن الله كيف فيك تزوره؟.. وبعدين إذا عندك أم أو أخوات كيف يمكن تشوفهم..؟
    وسوريا يا إلهي سوريا الي أنا ما زرتها ولا مرة، بس حبيتها من خلال كتابات الطنطاوي عنها في ذكرياته المنشورة في 8 أجزاء هو الآخر أُبعد عنها ومُنع من دخولها.. فكيف بك وأنت من أبنائها؟
    ما في شي مستحيل على الله، كله بيتيسر إن شاء الله.
    على كل حال أنا أتمنى تحكي أكثر عن الظروف الي دفعتك لهذا القرار وهل فعلاً ما كان فيك تتجنبه؟
    أنا آسفة طولت.. بس حابة أشكرك لدعوتك على الفايس بوك وتسرني زيارتك لمدونتي على هذا الرابط:
    http://ahmaed-aa.maktoobblog.com/
    خالص تحياتــــــــــي,,

  10. مايا * قال:

    ربما لاجئ .. لكنك حتماً لست بلا وطن ..

    مبروك مع غصّة ..🙂

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s