أرشيف لـيوليو, 2008

بين الفينة والاخرى تطالعنا وكالة الأنباء العربية السورية (سانا) بخبر يتحدث عن دورة لضباط الشرطة بمجال حقوق الانسان، الأمر الذي يعتبر إيجايباً، لكن السؤال الأهم الذي يطرح بعد قراءة الخبر هو هل تحسن ملف حقوق الإنسان في سوريا بعد هذه الدورات، أو هل غير ضباط الشرطة الذين خضعوا للدورة طريقة معاملتهم للمواطنين؟؟
الإجابة على السؤال صعبة للغاية، خصوصاً أن أي تقدم بموضوع كهذا يحتاج لوقت طويل لرؤية نتائجه، لكن الحصول على تلميحات عن الإجابة أمر بغاية البساطة، يبدأ من الخبر المنشور على سانا، والذي هو نفس الخبر لدورات حقوق الإنسان الستة التي عقدت حتى الآن.
هناك من سيعتقد أني أمزح أو أدلي بـ “نكتة بايخة”، ولهؤلاء أترك أمر العودة إلى روابط الأخبار الواردة على سانا وأكتفي بإدراج رابطين منها، مقارنة بسيطة للخبرين وهما في شهرين مختلفين توضح أن الخبر منسوخ نسخ وبنفس تصريحات وزير الداخلية وبنفس الكلمات والأحرف والأرقام والفواصل أيضاً، لكن بتغيير أسماء المحاضرين فقط:
عشنا وشفنا…
Advertisements

محمد علي العبد الله(*)

أياً تكن تفاصيل ما وقع في سجن “صيدنايا” العسكري السوري، وبصرف النظر عمّن بدأ العنف والجهة ـ المسؤولة عنه والخسائر المترتبة عليه، فإن “مجزرة” حصلت هناك لا يمكن تجاهل حدوثها أو آثارها.
ثلاثة أيام انقضت على بدء الأحداث في صيدنايا (حتى كتابة هذه المقالة) كانت الأمور لا تزال عالقة وسط أنباء غير دقيقة عن عدد القتلى والجرحى أو عن إطلاق الرهائن أو استمرار احتجازهم.الأيام الثلاثة مرت داخل السجن مليئة بالـ “أكشن” والإثارة نتيجة سياسة السلطات من استحضار دبابات للسجن وفرق مجهزة ببنادق قناصة، ومرت مليئة بالآلام للمعتقلين الذين حرموا الطعام والشراب مع رهائنهم خلالها وقضوا أيامهم الثلاثة في العراء على سطح السجن، لكن وقعها الأشد كان على الأهالي.
فخلالها لم يعرف أهالي المعتقلين معنى النوم أو الطعام، أشخاص هاموا على وجوههم في الشوارع يريدون من يخبرهم عن أبنائهم هل هم قتلى أم جرحى، أحياء أم أموات؟. مصيبة هؤلاء الكبرى أنهم يسكنون “مملكة الصمت الرسمي”، فلم تصدر السلطات أي بيان قبل مرور أكثر من 24 ساعة على بدء الأحداث، وعندما فعلت تحدثت عن “إرهابيين ومتطرفين” دون أن تخبر الأمهات عن أبنائهم، أو حتى أهالي الرهائن عن حال ذويهم. بيان مقتضب لا يمت للمسؤولية بصلة ألقى التهم جزافاً وحاول ذر الرماد في العيون فلم يشف غليل أيّ ممن انتظروا تعليقاً رسمياً على ما حصل.
لعلها المرة الأولى التي تعترف بها السلطات بأحداثٍ ذات طابع أمني تحصل داخل البلاد. فالعادة جرت أن تتجاهل السلطات ما يحصل وكأنه يحصل في بلد آخر. فهي لم تعلق على أعمال العنف التي حصلت في سجن عدرا منذ أقل من عام، ولم تعلق على نشوب حريق ضخم في سجن صيدنايا منذ قرابة شهرين بل منعت الزيارات عن السجن وقتها، ولم تكن لتفعل هذه المرة أيضاً لولا ما أقدم عليه السجناء من استعمال الهواتف المحمولة للرهائن والتحدث لوسائل الإعلام. أمر أحرج السلطات ووضعها في مأزق كبير ظهر واضحاً في بيانها الهش الذي لم ينسب لأي مصدر مسؤول وغابت عنه الصفة الرسمية لولا وروده عبر وكالة الأنباء الحكومية، بيان عكس تخبطاً وإرتباكاً واضحين.
تابع الأهالي المفجوعون ما يحصل عبر وسائل الإعلام. لم يطفىء بيان السلطات نارهم سيما مع استمرار ورود الأنباء عن تزايد عدد الجرحى والقتلى داخل مستشفى تشرين العسكري، فنزلوا إلى الشارع، تجمعوا أمام السجن فأبعدتهم عناصر الشرطة العسكرية إلى مسافة 2 كلم لمنعهم من سماع أي شيء (صراخ، إطلاق نار…)، ثم لم تلبث أن انهالت عليهم بالضرب بالركلات والهراوات فوقعت الأمهات على الأرض في منظر أضحى مألوفاً في “سوريا الأسد”.
توجه قسم آخر من الأهالي إلى مستشفى تشرين العسكري. الدخول للمستشفى مستحيل في مملكة الصمت والتكتم، طالب الأهالي بنشر لائحة باسماء الضحايا، نشرت اللائحة على رؤوسهم بالعصي والهراوات وبكل ما توفر وما لم يتوفر لعناصر الأمن، فسقط أرضاً من الأمهات من لم تسقط من انهيار أعصابها قبل ذلك.
تجمع الأهالي من جديد أمام المقر العام للشرطة العسكرية طالبين إذناً بزيارة السجن أو المستشفى أو أي معلومة من أي كان. وافقت إدارة الشرطة العسكرية وطلبت منهم فقط الإبتعاد عن المدخل الرئيسي للسماح للسيارات المارة بالعبور، وطلب إليهم التجمع عند إحدى الزوايا ففعلوا، ونفذت إدارة الشرطة وعدها وأرسلت العشرات من عناصر الشرطة لضرب الأهالي مرة أخرى واعتقل بعض الشبان ممن حاولوا المقاومة.
لاحقاً طلب إلى الأهالي التوجه إلى وسط العاصمة والتجمع تحت “جسر الرئيس” تحديداً (منطقة معزولة بعيدة عن أعين المارة) وهناك ستأتي الصحافة للتحدث إليهم لتنقل معاناتهم للرأي العام، فعل الأهالي وأتت الصحافة دون كاميرات، بل بعصي غليظة حملها رجال الشرطة والأمن وانهالوا على الأهالي بالضرب.
أحد الصحافيين المجهولين يحمل كاميرا تعرض لضرب مبرح ثم اختفى مع من اقتاده…
قليل من الشفافية في التعاطي كانت ستحل أكثر من نصف المشكلة، فبيان يوضح عد القتلى وينشر اسماءهم من شأنه تهدئة الأهالي، والإسراع بتسليم الجثث لأهالي الشهداء أفضل بألف مرة من حفظها في مشرحة المستشفى العسكري.
إلا أن السلطات لا تزال تعتم على الموضوع، ولعل أكثر ما هو منتظر عقب إنتهاء الأحداث رسمياً هو منع الزيارات عن السجن للتعتيم أكثر على عدد القتلى أو الجرحى أو عن كيفية بداية الأحداث.
نظم أهالي المعتقلين من محافظة حمص إعتصاماً ليلياً هناك. تعرضوا للضرب ثم وعدوا خيراً، ثم انتقلت العدوى لمحافظة اللاذقية فنفذ أهالي معتقليها إعتصاماً حاشداً طالبوا فيه بالكشف عن مصير أبنائهم، فواجهوا نفس مصير أهالي حمص.
بالأمس ليلاً كان الحديث عن تظاهرة عارمة في اليوم التالي في دمشق سينفذها أهالي معتقلي دمشق ينضم إليهم مشاركون من باقي المحافظات، ترى كيف ستتعامل السلطات معهم؟!!لعلها صورة مختصرة عن وضع أهالي جلهم من الآباء والأمهات الطاعنين في السن وعن كيفية التعامل معهم بطريقة زادت من توترهم وعكست بوضوح توتر السلطات التي لم تجد شيئاً تفعله أكثر من الإعتداء على أمهات ثكالى (أو يكدن) بضرب مبرح لا مبرر له إلا الحفاظ على التعتيم والتكتم في مملكة الصمت.
(*) كاتب وناشط حقوقي سوري.


محمد علي العبدالله (*)

لعل أكثر الأسئلة التي تطرح حول التهدئة التي خاضتها حركة حماس مع إسرائيل هو سبب قبول الحركة اليوم ما رفضته بالأمس، فالحركة كانت ترفض بالمطلق مجرد الحديث عن التهدئة قبل فتح المعابر، وأعلنت مراراً أن العمل المسلح (الجهاد) هو الوسيلة الوحيدة لتحرير الأرض ودحر “العدو الصهيوني”، فما الذي “عدا ما بدا” لتوافق حماس اليوم على التهدئة التي رفضتها أمس؟.

وافقت حماس على الدخول في التهدئة وهو الأمر الذي يعتبره المراقبون إيجابياً ويتمنون استمراره لتجنيب الشعب الفلسطيني في غزة المزيد من المآسي والكوارث الإنسانية، ولمنح فرصة للضغط السياسي لفك الحصار عن قطاع غزة بعد أن حولت إسرائيل حياة أكثر من مليون فلسطيني إلى ما يشبه الكابوس.

التبرير الوحيد الذي تجده لدى حماس هو أن الحركة ملتزمة بالتهدئة طالما أن العدو الصهيوني ملتزم بها، في حين تكثر التحليلات في الطرف المقابل عن الدوافع الخفية لحماس.

فثمة رأي يقول إن التفاوض السوري ـ الإسرائيلي غير المباشر آتى أُكله سريعاً، وحققت إسرائيل شيئاً من المكاسب السياسية المرجوة من المفاوضات (التي يبدو أنها طالت وترهلت ولن تنتج شيئاً إذا لم ترعها الولايات المتحدة نزولاً عند رغبة الطرف السوري) وأن دمشق استخدمت “مونتها” على حركة حماس لفرض تهدئة في قطاع غزة من شأنها إزالة بعض العوائق من درب المفاوضين. أمر أحرج حركة حماس ووضعها في موقع صدام مع الفصائل الفلسطينية الأخرى التي تماهت معها سابقاً ضمن أيديولوجية التحرير بالسلاح، لا سيما عندما أقدمت حماس على مفاجأة الجميع بإعلانها “أن من يطلق الصواريخ من قطاع غزة لا يخدم المصلحة الوطنية الفلسطينية”، ما دفع كتائب شهداء الأقصى لإتهام حماس “بالخيانة الوطنية”، ودفع حركة الجهاد الإسلامي أيضاً لإتهام حماس بالخيانة، ويعتقد أنها السبب في غياب الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي عبد الله شلح وحضور نائبه بدلا عنه في اجتماع لجنة المتابعة للقوى والفصائل الفلسطينية الذي عقد في دمشق مؤخراً بعد إعلان التهدئة.

في حين يرى رأي آخر لا يقل أهمية أن حماس أدركت أنها وصلت إلى طريق مسدود نتيجة ما ارتكبته من أخطاء وما نتج عنها من تدمير لحياة الفلسطينيين في قطاع غزة تتحمل الحركة المسؤولية الكبرى عما جرى فيها بعد أن فشلت سياستها التي انتهجت العنف والسلاح بوقف هجمات العدو الإسرائيلي على القطاع أو إيقاف الاغتيالات في صفوف كوادرها أو فتح أي معبر من معابر غزة، لا سيّما أن أي نظرة علمية وعملية للحصاد (السياسي والعسكري) الذي كسبته حماس خلال نيف وعام على احتلالها القطاع يظهر تدني شعبية الحركة بشكل ملحوظ، وجهر سكان القطاع )من غير المحسوبين على فتح) بالتعبير عن سخطهم من الحركة ومن مواقفها، وتحميلها مسؤولية انقطاع الوقود والكهرباء والدواء عن غزة، سخط يتفاقم يومياً بتفاقم المعاناة وإدراك الفلسطينيين لحصيلة “عمليات” حماس العسكرية، ففي الوقت التي تشير الأرقام (الجزيرة نت) الى أن حماس والفصائل الفلسطينية المتحالفة معها أطلقوا نحو 4360 صاروخاً وقذيفة هاون على قرى وبلدات متاخمة لقطاع غزة أسفرت عن مقتل أربعة إسرائيليين فقط. في حين استشهد نحو 380 فلسطينياً على أيدي قوات الاحتلال وفقاً لبيانات المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة. ناهيك عن أن 118 فلسطينياً قضوا في حوادث داخلية في غزة.

أما الرأي الثالث فهو كناية عن مزيج بين الرأيين السابقين، فالحركة وجدت نفسها في مأزق يتفاقم مع تفاقم معاناة الفلسطينيين التي تراها الحركة بأم عينيها يومياً، في حين ترى في العين الأخرى أن حليفتها في الممانعة (دمشق) بدأت مفاوضات سلام غير مباشرة مع إسرائيل برعاية تركية، فقررت التراجع عن سياساتها والمضي بالتهدئة تمهيداً للتفاوض من منطلق “الأقربون أولى بالتهدئة والتفاوض”. ولم تكتف حماس بالتهدئة فقط، بل بدأت بمطالبة السلطة الفلسطينية بتوسيع التهدئة لتشمل الضفة الغربية!!.

وبعيداً عن الغوص في مآثر سياسة حماس في تكريس الإنقسام الفلسطيني، والتفريط (عبر الاعتماد المفرط على الدعم الخارجي العربي والإقليمي) باستقلالية القرار الفلسطيني الذي دفع الشهيد ياسر عرفات حياته ثمناً لها. لا تستطيع الحركة أن تنكر أنها تشعر بحرج شديد من المأزق الذي وضعت نفسها فيه، فالتصعيد في المطالب بداية والذي لم يرتكز على أي نقاط قوة واقترن بخطاب بعيد عن المنطق والعقل يغفل ميزان القوى المختل بشكل واضح للعيان، وتخوين فئة كبيرة من الفلسطينيين طالبتها سابقاً بوقف إطلاق صواريخ لم تنجح إلا في منح إسرائيل مبررات قوية لتنفيذ اعتداءاتها على قطاع غزة، وقبولها التهدئة اليوم بشروط رفضتها سابقاً دون توضيح مبررات الرفض السابق والقبول الحالي، سيكون لها أثر واضح في الإنتخابات التشريعية القادمة، سيما أن التهدئة الأخيرة تمثل نهاية المغامرة التي بدأتها “حماس”، ولم تجن منها سوى تعرية نفسها من ذريعة المقاومة.

(*) كاتب وناشط حقوقي سوري.

بدون تعليق

في حادثة دفعت البعض إلى إطلاق التعليقات الساخرة، أصدر وزير الداخلية السوري بسام عبد المجيد قراراً بتسريح شرطي من الخدمة بسبب حصوله على رشوة من أحد المواطنين بقيمة ألف ليرة.
ووفق صحيفة الجماهير الرسمية التي تصدر في حلب (شمال)، فقد تم تسريح شرطي في مخفر المسلمية في حلب بسبب تقاضيه مبلغ ألف ليرة كرشوة من أحد المواطنين مقابل التوسط له للحصول على دفتر قسائم من مادة المازوت المدعوم من مركز مديرية الثقافة بالسبع بحرات.

ووزعت الحكومة السورية مؤخراً قسائم تمكن المواطن من الحصول على ألف ليتر من المازوت بقيمة 9000 آلاف ليرة سورية.
وسبق أن عوقب الشرطي بالحبس لمدة عشرين يوماً وتقديمه إلى القضاء بجرم تقاضي رشوة، قبل أن يتم الطلب من وزير الداخلية بتسريحه.
وتؤكد مصادر إعلامية في سورية تجارة بيع دفاتر قسام المازوت باتت رائجة في سورية، حيث يتراوح سعر الدفتر بين 9 – 10 آلاف ليرة، أي بأقل من قيمة المازوت بالسعر الحر وبما يتراوح بين 5 و6 آلاف ليرة.
ورغم أن محاربة الفساد والرشوة مطلب أساسي يلح عليه المواطنون السوريون، إلا أن القرار بتسريح الشرطي المذكور أثار جملة من التساؤلات والتعليقات الساخرة، لأن الرشوة لم تعد مقتصرة على شرطي واحد، بل إن غالبية عناصر الشرطة يتقاضون الرشوة. وبات من المعروف “التسعيرة”، أي قيمة الرشوة المتوجب دفعها، لعناصر شرطة المرور مقابل التغاضي عن المخالفات المرورية، بل إن كثيراً من السوريين يتحاشون نقل خلافاتهم إلى المخافر لأنهم سيضطرون حينها إلى دفع رشاوى تثقل كاهلهم.
كما أن عناصر الأمن والمخابرات يقبضون مبالغ كبيرة كرشاوى مقابل إعطاء معلومات عن شخص قريب أو السماح بزيارة سجين أو غير ذلك. وعموماً، فإن أي معاملة في الدوائر الحكومية “يستلزم” إنجازها دفع رشاوى مختلفة القيمة، تبعاً لأهمية المعاملة أو مدى قانونيتها.

وفي المقابل، يؤكد ناشطون أن مشكلة الرشوة في سورية ليست المشكلة الوحيدة في قائمة أنشطة الفساد، بل إن مسألة نهب المال العام من قبل كبار المتنفذين والمسؤولين؛ ساهمت بشكل حاد في تعميق الأزمة الاقتصادية في سورية رغم أنها بلد غني بموارده الطبيعية.