الإنترنت في سوريا: نعمة أم نقمة؟؟

Posted: 2008/06/20 in Uncategorized
الوسوم:,

محمد العبد الله*

انتظر السوريون الإنترنت كثيراً بعد أن كانوا سمعوا عنه من جوارهم ومن شاشات التلفزة، وحيكت القصص والأقاويل عن الإنترنت وعن المعجزة القادمة وعن الإمكانات التي سيقدمها للبلاد، وعن التجارة الإلكترونية وعن وعن…. وكان على السوريين الراغبين الولوج للشبكة العنكبوتية قبل ذلك الإتصال عبر الهاتف بمزود الخدمة في لبنان أو الأردن، وتكبد نفقات باهظة.

وفي العام 2000 وصل الزائر المرتقب، وبدأ السوريون الحصول على الخدمات بالقطّارة، وبدأت الجمعية المعلوماتية السورية بتقديم الخدمة بدايةً لشرائح معينة دون أخرى كان لها أولوية على الباقين (الأطباء والمهندسين والمحامين).

وبعد عام تقريباً بدأت المؤسسة السورية للإتصالات (مؤسسة حكومية ثانية) تقديم الخدمة للمواطنين عامة، وكان على السوريين الذين يودون الإشتراك إحضار صورة عن بطاقة الهوية ونسخة مطبوعة من استمارة طلب الإشتراك إلى مركز خدمة الزبائن، وتوجب عليهم ملء بيانات الإسم وإسمي الوالدين والجنسية ورقم الهوية الذي تصدرها الحكومة وتاريخ ومحل الميلاد والمهنة واسم المستخدم وكلمة السر.

ومثلت التكلفة الباهظة للخدمة أحد أهم العوائق التي وقفت في وجه إنتشارها. لكن وعلى الرغم من هذه العوائق فقد ارتفع عدد المستخدمين في سوريا سريعاً، إذ أشارت منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها الذي صدر عام 2005 أن عدد المستخدمين السوريين كان يقدر وقتها بأكثرمن 500 ألف مستخدم.

في حين تقدر مجموعة الإستشاريين العرب، وهي بيت خبرة إستشاري تجاري مركزه عمان، أن يرتفع عدد مستخدمي الإنترنت السوريين بنسبة 24.9% بين عامي 2004 و2009، لتفوق نسبة المسستخدمين عام 2009 الـ 10% بعد أن كانت تقدر بأقل من 1% عام 2004.

لكن الفرحة بالزائر المنتظر لم تكتمل، فالعوائق المصطنعة والعراقيل التي زرعت في وجه الخدمة الوليدة كانت كفيلة بتقييدها ومحاولة الحد من إنتشارها، أو العمل على إنتشارها وفق منهجية تفرغها من مضمونها، الأمر الذي حدا بمنظمة هيومن رايتس ووتش أن تعنون التقرير المذكور سابقاً بعنوان : الحرية الزائفة.

ورغم ورود نصوصٍ كثيرة في الدستور السوري وفي المواثيق الدولية التي وقعت عليها سوريا تتحدث عن حرية الحصول على المعلومات وتبادلها، بدأت السلطات الإعتماد على مجموعة من القوانين المقيّدة والتدابير غير القانونية لقمع حق السوريين في الوصول إلى المعلومات ونشرها بحرية على الإنترنت. بدأت بالرقابة ومتابعة الرسائل الإلكترونية وصولاً إلى حجب المواقع وإلقاء القبض على مستخدمي الإنترنت والمدونين ومقاضاتهم؛ رقابة فرضتها أنظمة تخشى من مواطنيها معرفة الحقيقة الكاملة، أو على الأقل الصورة المعاكسة لما يصدرها إعلامها الرسمي، فلجأت إلى قتل المعلومة عن طريق حجبها عن بقية شرائح المجتمع، بهدف تحويل الحياة الافتراضية الالكترونية للسوريين إلى حياة تشبه حياتهم الواقعية؛ حياة يلفها العزلة والصمت والعيش على الهامش. وخلقت لهذا الغرض أنظمة مراقبة دقيقة وفعّالة في مواجهة هذا المد الهائل من المعلومات، وسيول المعرفة التي ستعمل على الإطاحة بتلك الرقابة، ودفنها في مقابر الفساد التي تملئ البلاد.

فمنذ اللحظة الأولى لم يكن أمام المواطن سوى استخدام خدمات البريد الإلكتروني التى تقدمها شركات التزويد المحلية والتي يسهل رقابتها فالسلطات السورية حجبت الوصول إلى مواقع خدمات البريد الالكتروني المجانية الشهيرة مثل Yahoo أو Hotmail أو Maktoob وغيرها ولم ترفع الرقابة عنها حتى العام 2004 الأمر الذى أرجعه أحد الخبراء إلى احتمال حصول السلطات على تجهيزات ومعدات أمنية جديدة تتيح لها رقابة البريد المتداول عبر هذه الخدمات أيضاً.

ومسألة الحجب والتعطيل هذه لا تأتي بالمصادفة، فالخطة الحكومية الخمسية العاشرة في فصل مخصص للإعلام وتحت عنوان «العوائق والمخاطر» ورد ما يلي حرفياً «أهم وأخطر ما نواجهه هو ما يسمى بالعولمة الإعلامية كأحد مظاهر النظام العالمي الجديد والتي دعت إليها وسائل الإعلام باستمرار.. (ومن بينها) الشبكة العنكبوتية، الإنترنت التي تبث من دون حسيب أو رقيب»!.

وفي شهر تشرين الثاني 2005 اعتبرت منظمة مراسلون بلا حدود السلطات السورية واحدة من أشرس خمسة عشر عدواً لشبكة الإنترنت على مستوى العالم. في حين صنفت منظمة Article19 سوريا ضمن الأنظمة العشرة الأكثر عداءاً للإنترنيت، وتقيداً لاستخدامها.

وأوردت دراسة أوبن نت (مبادرة الإنترنت المفتوح) التي جاءت نتيجة شراكة بين جامعات اوكسفورد وكامبريدج البريطانيتين وهارفرد الاميركية وتورونتو الكندية، ان حكومات في آسيا والشرق الاوسط وشمال افريقيا تمنع مواطنيها من الوصول الى معلومات تعتبر حساسة في هذه الدول وتتعلق بالسياسة والثقافة والجنس والدين.

وقالت الدراسة التي وضعت خلال عام 2006 ان “الطريقة التي تحصل فيها الرقابة تزداد تطوراً مع تطور أدوات الانترنت”. وأن ست دول تركز خصوصاً على الرقابة السياسية على الإنترنت كانت سوريا بينها. (بورما والصين وايران وسوريا وتونس وفيتنام).

وحجبت السلطات منذ منتصف 2006 عشرات؛ لا بل بل مئات المواقع ذات الإستخدام الواسع حيث يتم الحجب من قبل المؤسسة السورية للإتصالات بناء على طلب المخابرات.

وفي 18 تشرين الثاني 2007 حجبت السلطات السورية موقع «فايس بوك» الشهير.

وفي 1\7\2007 أبلغت عناصر من الأجهزة الأمنية أصحاب مقاهي الانترنت شفهياً ضرورة تسجيل البيانات الشخصية لمستخدمي الانترنت في محلاتهم والاحتفاظ بسجل يومي يتضمن اسم المستخدم الثلاثي واسم والدته ورقم الهوية الشخصية أو جواز السفر ورقم الجهاز الذي يستخدمه وساعة حضوره إلى المقهى وساعة مغادرته. وإلزام أصحاب المقاهي تسليم هذا السجل إلى مندوبي الأجهزة الأمنية عند حضورهم.

وفي سياق هذه السياسات المنهجية بهدف القضاء على الخصوصية التفاعلية وعلى مساحة الحرية التي يوفرها الإعلام الالكتروني أصدر وزير الاتصالات والتقانة الأسبق عمرو سالم بتكليف من مجلس الوزراء السوري قراراً بتاريخ 25/7/2007 يأمر فيه إدارة المواقع الإلكترونية بذكر: “اسم ناشر المقال والتعليق بشكل واضح ومفصل تحت طائلة إنذار صاحب الموقع ومن ثم عدم النفاذ إلى الموقع مؤقتاً وفي حال تكرار وقوع المخالفة عدم النفاذ إلى الموقع نهائياً”.

وفي 18\9\2007 نفذت الوزارة تهديداتها و”عاقبت” موقع “داماس بوست” الإخباري وحجبته لمدة 24 ساعة.

وفي آذار 2008 كتب المدون نهاد الشامي على مدونته (سوري يا نيالي) خبراً مفاده أن السلطات السورية حجبت مدونات مكتوب في سورية وقد تعذر على المدونين السوريين داخل سوريا على موقع مكتوب، البالغ عددهم أكثر من ثلاثة آلاف مدون الوصول إلى صفحات مدوناتهم.

ومنذ شهر تقريباً قامت السلطات السورية بحجب موسوعة (ويكيبيديا) wikipedia بنسختها العربية على جميع مزودات الخدمة في البلاد، ليفقد السوريون مصدراً إضافياً من مصادر المعرفة والمعلومات.

ولم تكتف السلطات بحجب المواقع عن المرتادين، بل عمدت إلى إغلاق ما تمكنت من إغلاقه، ففي نيسان 2006 توقف موقع مرآة سوريا عن العمل “طوعياً” بعد ضغوط مورست على رئيس تحريره ليفاجأ زوار الموقع بالرسالة التالية:

الأمر ذاته فعله موقع سيريا لايف في عام 2007 إذ أجبر الموقع على الإغلاق طوعاً، ووجد زواره الرسالة التالية على صفحته الرئيسية:

وفي 27\2\2008 اعتقلت السلطات السورية الكاتب أسامة إدوار قريو على خلفية مقال بعنوان “اللاءات الثلاث: لا غاز لا مازوت لا كهرباء” نشره على مدونته (آشوريون من أجل الوجود والحرية)، وأطلقت السلطات سراحه بعد تسعة أيام يعتقد أنه تعرض خلالها للتعذيب، وخرج ليضع الرسالة التالية على مدونته:

وتتنوع المواقع المحجوبة بين مواقع إخبارية سورية تتناول الأوضاع السورية الداخلية، ومواقع صحف تصدر في لبنان وبريطانيا، لتصل إلى بعض أهم الخدمات العالمية مثل (يوتيوب) Youtube، و غوغل بلوغ سبوت (google-Blogspot)، وسكايب.

لكن الأكثر خطورة اليوم من حجب مواقع الصحف البارزة هو حجب المدونات، التي يرى المراقبون في منعها كارثة معرفية حقيقية، لأن في المدونات محتوى أصيل وفريد هو الجزء الأكبر من المحتوى الثقافي والمفيد في الانترنت.

الإعتقالات:

سأتحدث في هذا القسم عن تجربة لا أعتبرها شخصية، ولا أستطيع تجاهل هذا الطابع فيها، ألا وهي تجربة مدونة “الدومري السوري”، ففي أعقاب إغلاق السلطات لصيحفة الدومري لرسام الكاريكاتير السوري علي فرزات، انطلقت مدونة أطلقت على نفسها إسم “الدومري السوري”، وأعلنت صراحة على صفحاتها الأولى أنها لا تمت بصلة لصيحفة الدومري.

إنطلقت المدونة على نطاق غوغل بلوغ سبوت، وقبل أن تحجب السلطات النطاق المذكور كاملاً قامت في كانون الثاني 2006 بحجب المدونة وحدها، وكتب يومها المهدي بن يونس على موقع مرآة سوريا (الذي أغلق طوعاً كما رأينا) الخبرالتالي:” في خطوة بلهاء تعبر عن مدى التخلف الفكري الذي ما زال يعاني منه الكثير ممن يعملون في مراكز مفصلية في بلدنا، قامت الجمعية المعلوماتية السورية بحجب موقع الدومري السوري عن المشتركين معهم على مخدّم انترنت الجمعية”.

لم يتكهن أحد بما حصل، وأعتقد قراء ومتابعوا المدونة أن السلطات حجبتها كما تفعل عادة مع من تختلف معه بالرأي، وعجز الجميع عن معرفة القائمين على هذه المدونة والتي حصدت عدداً لا يستهان به من القراء وجذبت إنتباه المتابعين داخل سوريا وخارجها، لدرجة حذت بموقع (bloggers watch) الصادر باللغة الإنكليزية أن يعلن على صفحة USENET الخاصة به أن الدومري السوري هو أكثر (blog) عربي تمّت زيارته منذ إنشاءه . وتحدثت أرقام عن خمس وسبعين ألف وتسعين ألف زائر يومي، قسم لا يستهان بهم من دول عربية وأوربية.

وفي كانون الثاني 2006 كتبت زينب غصن في صحيفة السفير اللبنانية مقالة بعنوان “في الداخل يا رب السترة وفي الخارج معارضة” وهي تتناول موضوع مواقع الـ (blogs) في سوريا، حيث كتبت:

لعل أكثر المدونات السورية الداخلية لطافة هي تلك التي تتخذ من التهكم سلاحا لها لإطلاق نكات حول الوضع السياسي تحت اسم <>. ويحرر هذه المدونة عددٌ من الشباب السوريين في الداخل. وهي لا علاقة لها بمجلة الدومري التي كانت تصدر في الشام وتم إيقافها.

ازدانت “الدومري السوري” بعدد كبير من الصور والكاريكاتيرات، الأمر الذي دل على استحالة أن تكون المدونة تحرر من شخص واحد، وأن الفريق القائم عليها يملك خبرة واضحة ببرامج الرسم كالفوتشوب، أو بالفن اليدوي المجرد.

كنت قد تعرفت إلى المدونة قبل حجبها وتابعتها باهتمام وقمت بتعميم بعض كتاباتها وصورها عبر البريد الإلكتروني، تحدثت “الدومري السوري” بكل المواضيع التي تهم الشعب السوري تقريباً، قلم تترك موضوعاً لم تتطرق إليه، وشفع كل موضوع منها بصورة أو كاريكاتير أو تعليق.

فمن الفساد:


إلى الفقر والغلاء:

إلى الإصلاح الإقتصادي الصوري:

إلى مصداقية الصحافة السورية:


إلى التسلح السوري لمواجهة العدو الإسرائيلي:

إلى شعبية أعضاء مجلس الشعب:


مروراً بصدور تقرير ميليس:


وارتفاع صوت الناس بالكلام عما ورد بالتقرير أيضاً:

وتمثيلية هسام هسام:


المعارضة السورية نالت نصيبها من النقد، فنشرت المدونة الكثير من التعليقات والإنتقادات والكاريكاتيرات لعل أجملها الذي تناول الأستاذ العزيز المعتقل ميشيل كيلو.


عندما رأيت الصورة عرضتها على العزيز المعتقل أيضاً فايز سارة، ضحكنا عليها سوية، رغب سارة في إرسالها لكيلو بالإيميل، لكنه تردد خوفاً من جرح شعوره، ثم أتى كيلو لمكتب سارة ورأى الصورة التي ضحك عليها كثيراً وسأل عن الشخص الذي رسمها.

وفي كانون الأول 2005 قمت بتخزين الصورة التالية على جهازي المنزلي:


ضحكت عليها كثيراً، أكثر مما قد يتخيل أي شخص، ضحكت حتى دمعت عيناي، عرضت الصورة على والدي وشقيقي وعائلتي، لم يعلق شقيقي عليها كثيراً، أمضيت النهار بطوله أردد عبارة “لو أعرف بس مين وراء هالمدونة”، وشقيقي يسألني في كل مرة “ليش شو بدك منه”.

علاقة الدومري السوري بقراءه كانت فريدة من نوعها أيضاً، وبين الفينة والأخرى كانت المدونة تنشر بعض الرسائل التي تصلها مع تعليقات أو إجابات عليها أقتبس منها التالي:

السيد “إبن سوريا العروبة” يظن أن موقعنا (منحطّ)، وأننا أناس (سخفاء):

شكراً على الألفاظ النابية. ولكن لماذا تتابع الموقع ؟

الآنسة سحر تصرّ على التعريف أكثر بأصحاب الموقع:

تكرم عينك. وهي صورة لأحد الشباب في الموقع:

وردنا أكثر من بريد ألكتروني يسأل إذا كان موقعنا سوري، ولماذا لا نفصح عن أسمائنا:

مع الشكر لهذا الاهتمام المتزايد لموقعنا الجديد، فإننا نؤكد أننا سوريون وموقعنا سوري.
أما سبب عدم الإفصاح عن أسمائنا فهو تحسبا” (من شي آدمي يبعتلنا مرافقته يلدعونا كمّ كفّ) وفهمكم كفاية.

في أواخر عام 2005 بدأت المخابرات السورية حملة إعتقالات طالت ستة من نخبة طلاب جامعة دمشق على إختلاف إختصاصاتهم العلمية إضافة إلى صديقين لهم من خارج الجامعة. بدأت الإعتقالات بشكل متفرق (حسام ملحم وماهر إسبر في أواخر 2005)، مروراً بعلام فخور وطارق الغوراني وعلي العلي وأيهم صقر في شباط 2006 إنتهاء بدياب سرية وشقيقي عمر العبد الله في آذار 2006، اعتقلوا من قبل جهاز المخابرات الجوية المسؤول عن أمن المطارات دون أن يعلم أحد لماذا، وخلال شهر ونيف قضاها شقيقي في الذهاب يومياً للتحقيق قبل اعتقاله لم يطلعني أو والدي على سبب استدعاءه أو إعتقال زملائه.

في 18 آذار اعتقل شقيقي عمر وبعده بخمسة أيام اعتقلت مع والدي، غابت الأسرة في السجون، وأفرج عني ووالدي بعد ستة أشهر ونصف، وحكم شقيقي عمر مع رفاقه….. سبعة سنوات سجن لطارق الغوراني وماهر إسبر، وخمسة سنوات للباقين.

لم يعرف أحد ما الذي اقترفه شبان في عشرينات العمر، شبان بأعمار الورود سوى التهمة التي حوكموا عليها “نشر أنباء وكتابات ومقالات وتصريحات لا تجيزها الحكومة من شأنها تعريض سورية لخطر أعمال عدائية”، لم يعرف أحد السبب، حتى المحامين الذين ترافعوا ودافعوا عنهم أمام محكمة أمن الدولة العليا الإستثنائية لم ينبسوا ببنت شفة، لم يعرف أحد شيئاً إلا بعد الإفراج عن أحد الطلاب (علي العلي) الذي خرج بعد عام فقط من اعتقاله ليخبر الجميع أن التهمة كانت “الدومري السوري” وكتابات أخرى كتبها حسام ملحم ودياب سرية وعمر العبد الله على منتدى أخوية الإلكتروني.

تعتيم غير مسبوق نجحت السلطات بفرضه على القضية، فلم تشر أي منظمة حقوقية للشباب المعتقلين كمدونين. حتى المنظمة الوحيدة التي اهتمت بقضيتهم (العفو الدولية) اعتبرتهم معتقلي رأي دون أن تعرف شيئاً عن القضية، وخلت بياناتها من أي إشارة لإعتبارهم مدونين معتقلين بسبب تدويناتهم.

عندها فقط أدركت مستوى غبائي، فأحد مشرفي المدونة التي عشقتها كان شقيقي الذي كان يعمل على تحرير المدونة من نفس جهاز الكمبيوتر داخل غرفتنا المشتركة. أدركت وقتها فقط حجم المخاطرة بأن تفتح مدونة سورية من داخل سوريا، الأمر الذي يتطلب أن تكتم السر عن عائلتك وأهلك وذويك وصاحبتك وأخيك.

حكم على الشبان من قبل تلك المحكمة الإستثنائية بعد عملية تعذيب قاسية، وانتهت أجمل تجربة لأجمل مدونة تكتب مرت على السوريين من داخل سوريا. فجأة إختفت المدونة (المحجوبة أصلاً) وأختفى الأرشيف، لم يعلم أحد لماذا إلا لاحقاً، إذ تطوع جهاز المخابرات المذكور برفع محتواها عن الشبكة وإتلافه، لم ينج منها إلا بضعة صفحات وجدتها لاحقاً على جهاز الكمبيوتر في منزل من مخلّفات شقيقي، عرضت منها الصور أمامكم اليوم.

لكن التجربة لم تنتهي، فمدونوا منتدى أخوية أوفياء لأصدقائهم المدونين، أقاموا حملة لهم، ثبتوا كتاباتهم على الصفحة الرئيسية، واعتبروهم معتقلي المنتدى، فكثيراً ما ترى على أخوية توقيعاً موحداً بلون أحمر قانئ “الحرية لشباب الأخوية الأسرى”.

لم ترق السلطات حملة أخوية فحجبت الموقع الذي يرتاده أكثر من خمس وسبعين ألف شخص وأكثر من خمسين ألف عضو مسجّل، راقبت الموقع وأغرقته بالمخبرين للدفاع عن النظام وأهله، لكنها فشلت أمام إصرار المدونين على الإنتصار لقضية زملائهم، فقررت إعتقال المشرف على “المنبر الحر” في منتدى أخوية وهي الزاوية الأكثر شعبية في المنتدى كله، المدون كريم عربجي (Karimbow) الذي مر منذ أيام عام على إعتقاله، اعتبرته منظمة العفو الدولية سجين رأي، ورأت منظمة مراسلون بلا حدود أنه مدوّن سجين بسبب تدويناته، اعتقل كريم عربجي من المخابرات العسكرية (فرع فلسطين) بعد أن تعمم منتدى أخوية على كل الأجهزة الأمنية الخمسين المهتمة بأمن البلاد، ونفسية الأمة، والشعور القومي، أحيل كريم عربجي بعد ثمانية أشهر من التعذيب والحبس الإنفرادي في فرع فلسطين إلى سجن صيدنايا العسكري، بسبب قصيدة كتبها يعايد فيها صديقه الأسير دياب سرية يقول فيها:

الحمدلله على نعمة الالحاد

الحمد للعقل على نعمة الله

اما بعد

صديقي دياب، بعد ايام، يختفي قمر رمضان، و يهل عيد الفطر (السعيد) على جميع البلدان

اذكر اننا، و طارق معنا، قد اتفقنا في الفطر الماضي على ان نعايد بعضنا على سبيل “البروتوكول”، على اساس انو “كل شي ببلاش كتر منو”

مبارك مبارك

صديقي دياب

قد طال الغياب

و رحل السنونو عن سمانا

فراداً و اسراب

رحل إلى سماواتٍ اخرى

فبقاءٌ محلق في سنانا

مصيره الوأد في سرداب

اخباري؟

عايشين، و الحمد لهم، كالذباب

آكل كالدواب

أغب كالطين، حتى اسكر من خمر الجباب

و احسد نفسي على نعمة

انت تعرفها … فأنت محروم منها

نعمتي اني استطيع ان افتح و ان اغلق الباب

ادعيلي ايها الكافر الكريم

فدعوى المظلوم ستلقى الجواب

ألا يزورني احد من الشباب

و ألا يوجه بحقي

اي تهمة تتعلق بالارهاب

و ان يبقي على نعمتي رب الارباب

صديقي الحزين

اتراك ترد المعايدة

في عيد … أي عيد

حتى لو كان عيد الاحزاب؟

أم ان الحانة ستبقى خاوية

حتى إشعار اخر

او حتى موعد محكمة اخرى

من جميع الاتراب؟

تخيل صديقي!

هناك نعمة احسدك أنا عليها

اعرفها جيدا … فأنا محروم منها

فحيث تسكن في ذاك الجوف

لا تعرفون معنى الخوف

تخيل انك سبيت ابو رامي مخلوف

ماذا سيفعلون؟ سيسجنوك؟

انت اصلا تسكن في قبو مسقوف

صديقي دياب

قد طال الغياب

و لكنني

و على الرغم من مللي

ما زلت انتظر غودو

كأب ينتظر مولودو

كمؤمن ينتظر يومه المشهود

كإله

متربص بمعبوده

و يؤجل …بكفرٍ

يومه الموعود

فلا اخفيك سرا

ما زلت بالانتظار

لاسمع منك الاخبار

لاقرأ معك

ما كتب حسامنا من اشعار

ما زلت يا دياب

انتظر يوم الاياب

انتظر لقاء الاحباب

انتظر عودة السنونو

ليشق بجناحيه العباب

و في الختام…. عتاب

اعتقل كريم ليسجن إلى جانب صديقه دياب سرية ويغلق عليهما الباب معاً.

منذ أيام فقط أجلت محكمة أمن الدولة جلسة محاكمة كريم عربجي لأجل غير مسمى إنتظاراً للإنتقال إلى البناء الجديد للمحكمة والتهمة نفسها: نشر أنباء كاذبة من شأنها أن تنال من هيبة الدولة.

شباب الأخوية الأسرى، كريم عربجي، وآخرين كثر….الشهر الماضي أصدرت نفس المحكمة حكماً بسجن المدون طارق بياسي ابن الـ23 ربيعاً لثلاث سنوات بسبب تعليقٍ نشره على الانترنت، حُكم على طارق بنفس التهمة: النيل من هيبة الدولة…. …. آه كم أحتقر هذه الهيبة.

فسحة أمل:

رغم الحصار الشديد المفروض وجد النشر عبر شبكة الانترنت لنفسه منفذاً وحقق تواجداً لدى المواطن السوري الذي يرغب فى استكشاف مصادر مستقلة للمعلومات تختلف عن الإعلام التقليدي الخاضع للرقابة وذلك رغم المخاطر الشديدة التى تحيط بالتواجد على الشبكة.

ورغم سياسة الحجب التي كانت ومازالت متبعة، فإن عدداً قليلاً من مستخدمي الإنترنت السوريين هم من يعانون من نتائجه، فالالتفاف على المنع هذا أسهل من الالتفاف على منع جريدة أو مجلة ورقية من دخول السوق المحلية، وقد طوّر السوريون طرقاً وأدوات تسمح بتجاوز الحجب والوصول إلى المواقع المحجوبة ببساطة ويسر شديدين.

وما دام الحجب لا يحقق أهدافه المفترضة في منع مستخدم الإنترنت السوري من الوصول إلى معلوماتٍ لا تريد الجهات التي تقرر الحجب أن يصل إليها، فلا يمكن أن نفهم استمرار سياسات الحجب إلا على أنها مجرد منغصٍ إضافي، أو إثبات وجودٍ بطرق دونكيشوتية قديمة لم تعد تنفع مع تطور تقانة المعلومات وتطور خبرة السوريين في استخدامها للوصول إلى المعلومات.

فقد وسعت شبكة الانترنت قاعدة الحصول على المعلومات ونشرها وإنتاجها، والتعبير عن الرأي وتوصيله، فحازت بذلك مفعولاً ديمقراطياً أكيداً. ووفرت فرصاً للتعارف والتواصل والتجمع الافتراضي لأناس لم يسبق لهم أن التقوا، وقد لا يلتقون أبدا. وهذا شأن عظيم الأهمية في بلد تحرم فيه حالة الطوارئ العريقة اجتماع الناس الطوعي والمستقل في الشارع، إن لأغراض تضامنية أو احتجاجية أو حتى احتفالية. بذلك كله أظهرت شبكة الانترنت أنها غير محايدة سياسياً، وأنها أكثر ديمقراطيةً مما ترضى به السلطات السورية.

ورغم أن آلية عمل المدونين في سوريا بقيت إلى الآن، تدخل في حيز النشاطات الهاوية والتطوعية التي تفتقد إلي الاحتراف… إلا أنها استطاعت أن تسجل هدفاً في مرمى القمع السوري الرسمي… فحركة التدوين تكبر يومياً… والأصوات والوجوه التي تسعي لرصد الحقيقة، ومتابعة الخبر قبل تزويره، تزداد عدة وعتاداً… والأهم اليوم، ليس أنها مجرد خرق لجدار الصمت والتعتيم الجاثم علي صدورنا، بل أنها نواة لحالة وعي… حالة وعي بحقوق المواطنة، وبإمكانية هدم جدار الصمت بدلا عن خرقه، وبالأمل من أن يتحرر الشباب السوري من منظمات التدجين، ووسائل إعلام الكذب والنفاق والتعبئة الجماهيرية، التي تداس فيها الحقيقة والحقوق تحت أرجل إعلام عديم الضمير، وأعمى البصر والبصيرة!

الإنترنت نعمة سنحافظ عليها ونقاتل من أجلها حتى آخر مدون، احجبوا ما شئتم من المواقع، واعتقلوا من تشاؤون من المدونين، وأصدروا التعليمات والتعاميم والتهديدات، فلن ترهبونا بويلكم وثبوركم وعظائم أموركم، وسبق أن فشلتم؛ لن توقفوا التطور المنطقي والطبيعي لثورة المعلومات، وسنراها تصل إلى حيث نريد نحن ولا تريدون، إلى يوم نلج فيه مواقعنا السورية فلا نفاجأ بكلمة “ممنوع الدخول”، يوم قريب جداً، يرونه بعيداً… ونراه قريباً.

* مداخلة ألقيت في مؤتمر”الحريات الثقافية و الإعلامية في المشرق العربي” بمناسبة إطلاق مؤسسة سمير قصير الثقافية مركزها الإعلامي للدفاع عن الحريات الصحافية “سكايز”.

تعليقات
  1. Anonymous قال:

    حلوة كثير الله يعطيك العافية.

    بس والله طويلة شوي صراحة

  2. فرج بيرقدار قال:

    غنى في المعلومات والتوثيق، ورشاقة في الأسلوب، وخفة ظلّ تعرف كيف تتحايل على سفاهة وصلافة الوقائع، فتعرّيها وتفضحها برهافة الكوميديا السوداء.
    مقالة تنطوي على نواة مرجعية، آمل رفدها باستمرار، وإعادة نشرها سنوياً.
    كم أسعدني التعرّف إليك يا بن أخي.

  3. Raye7-wmishraj3 قال:

    شكرا لكل من ادرج تعليق

    عمي فرج الف شكر على تعليقك

    رأيك شهادة اعتز بها

    محمد

  4. عمر مشوح قال:

    تحياتي لك أخي محمد على هذا الموضوع القيم والغني بالمعلومات ..
    وسوف تتحول الانترنت إلى نعمة بإذن الله
    والانتشار المكثف للمدونات السورية هو دليل وعي وأنه لن تبقى الشمس غائبة دوما بعون الله ..

    بارك الله فيك .. ودعواتي لك وللوالد والأخ ..

  5. freedom قال:

    الله يعطيك العافية
    يعني سوريا السبعينات ما اختلفت عن سوريا القرن الجديد
    و انا مفكرة هامش الحرية صار اكبر من كلمة هامش

  6. أُمنية قال:

    يعني حتى لو قررت تروح و ما ترجع ، يا ريت تضيف مدونتك عالsyplanet.com

    الانترنت بسوريا؟: شي بخري منو. طريقة جديدة لتشغيل الموظفين . منشان تحليل رواتبهم.

    وقت بقرا عن هالاعتقالات و أسبابها: شي بخزي . بس هيك

    بتعرف كل ما برجع عالبلد، بنزل عالشوارع، بطلع بالوجوه، بحس بسخافة غير طبيعية بين الشباب، بسأل : وين الشباب الفهمانة؟ هلأ فطنت وين!
    يا برا… يا جوا

    عينك ع حالك

  7. كمال نعسان اغا قال:

    سوريا بلدنا و لا يجوز الطعن بسياستها أبدا
    كل العالم عم يضغط عبلدنا ونحنا لساتنا صامدين و تجنبنا كتير من
    الأزمات بقيادة رئاستنا الحكيمة

    كل دولة نامية إلا و ما تواجه صعوبات و لكن هالشي ما بيسمحلنا أبدا نستغل الظروف للتشهير ببعض

    و يكفي سوريا شرفا أنها البلد الوحيد حاليا اللي يرفع راية
    الوحدة و الحرية و الاشتراكية

  8. يا صديقي سوريا بلدنا، ما حدا قال غير هيك أبداً.

    نحنا عم نطالب بوضع أفضل لأن هذه البلد تعنينا، ولأنوا خايفين عليها، وليس بهدف الطعن.

    الإنترنت بسوريا أسوأ خدمة بالعالم، وهذا ليس سببه الضغوط على البلاد، هذا سببه ما تقوم به السلطة من قمع وترهيب للناس، ومصادرة حقهن بالكلام والرأي.

    شو علاقة الهجمة على سوريا بحجب المواقع الالكترونية مثلا؟؟

    من الذي يحجبها؟؟ الخارج؟؟ الغرب؟؟ هذا الكلام صار مكشوف وما عاد يقنع حدا يا صاحبي.

    سوريا دولة نامية صحيح، لكن تخلف الإنترنت عندنا لا علاقة له بمعوقات تقنية أو تكنولوجية، سببه فقط القمع. القمع وعدم تقبل الرأي الآخر.

  9. عابر سبيل قال:

    لك تسلم لي انت ورئاستنا الحكيمة….

    قيادتنا الحكيمة مين؟؟ الحرامي المدعو بشار الأسد وعائلته؟؟ ولا ابن خاله رامي مخلوف؟؟ ما ضل شي بالبلد ما سرقوه؟؟

    لك حتى المراحيض العامة اللي بيدفع المواطن مصاري لإستخدامها في حصة لآل الأسد من عائداتها.

    لسا بيطلع لنا حدا مثلك بقلك مواقف سوريا…… لك ما عاد في موقف سرفيس مثل الخلق بسوريا…..طبعاً بفضل اللص الذي تدعوه حضرتك بـ “رئاستنا الحكيمة”.

  10. […] – محاضرة سابقة ألقيت ضمن فعاليات افتتاح مركز سكايز لمراقبة الحريات الإعلامية في مؤسسة سمير قصير             ”الإنترنت في سوريا نعمة أم نقمة؟؟“. […]

  11. gabriel قال:

    ‘طويلة … بس الافكار اللي فيها بتستاهل مقال اطول منها … تحية احترام كبيرة كتير مني الك .. ” سمايلي ابو وردة “

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s